الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة حال دون منظر الهلال غيم أو قتر

جزء التالي صفحة
السابق

( 2003 ) مسألة : قال : ( وإن حال دون منظره غيم ، أو قتر وجب صيامه ، وقد أجزأ إذا كان من شهر رمضان ) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في هذه المسألة ، فروي عنه مثل ما نقل الخرقي ، اختارها أكثر شيوخ أصحابنا ، وهو مذهب عمر ، وابنه ، وعمرو بن العاص ، وأبي هريرة ، وأنس ، ومعاوية ، وعائشة ، وأسماء بنتي أبي بكر ، وبه قال بكر بن عبد الله ، وأبو عثمان النهدي ، وابن أبي مريم ، ومطرف ، وميمون بن مهران ، وطاوس ، ومجاهد . وروي عنه أن الناس تبع للإمام ، فإن صام صاموا ، وإن أفطر أفطروا .

وهذا قول الحسن ، وابن سيرين ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم { : الصوم يوم تصومون ، والفطر يوم تفطرون ، والأضحى يوم تضحون } . قيل معناه أن الصوم والفطر مع الجماعة ومعظم الناس . قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب . وعن أحمد ، رواية ثالثة : لا يجب صومه ، ولا يجزئه عن رمضان إن صامه . وهو قول أكثر أهل العلم ; منهم أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، ومن تبعهم ; لما روى أبو هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين } رواه البخاري .

وعن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين } . رواه مسلم . وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى عن صوم يوم الشك } . متفق عليه . وهذا يوم شك . ولأن الأصل بقاء شعبان ، فلا ينتقل عنه بالشك . ولنا ما روى نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : إنما الشهر تسع وعشرون ، فلا تصوموا حتى تروا الهلال . ولا تفطروا حتى تروه ، فإن غم عليكم فاقدروا له } . قال نافع : كان عبد الله بن عمر إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يوما ، بعث من ينظر له الهلال ، فإن رأى فذاك ، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرا ، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما . رواه أبو داود .

ومعنى اقدروا له : أي ضيقوا له العدد من قوله تعالى : { ومن قدر عليه رزقه } . أي ضيق عليه . وقوله : { يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } . والتضييق له أن يجعل شعبان تسعة وعشرين يوما .

وقد فسره ابن عمر بفعله ، وهو راويه ، وأعلم بمعناه ، فيجب الرجوع إلى تفسيره ، كما رجع إليه في تفسير التفرق في خيار المتبايعين . وروي عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { قال لرجل : هل صمت من سرر شعبان شيئا ؟ قال : لا . وفي لفظ : أصمت من سرر هذا الشهر شيئا ؟ قال : لا ، قال : فإذا أفطرت فصم يومين } . متفق عليه .

وسرر الشهر : آخره ليال يستتر الهلال فلا يظهر . ولأنه شك في أحد طرفي الشهر لم يظهر فيه أنه من غير رمضان ، فوجب الصوم كالطرف الآخر . [ ص: 7 ] قال علي ، وأبو هريرة ، وعائشة : لأن أصم يوما من شعبان ، أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان . ولأن الصوم يحتاط له ، ولذلك وجب الصوم بخبر واحد ، ولم يفطر إلا بشهادة اثنين . فأما خبر أبي هريرة الذي احتجوا به ، فإنه يرويه محمد بن زياد ، وقد خالفه سعيد بن المسيب ، فرواه عن أبي هريرة : " فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين " وروايته أولى بالتقديم ، لإمامته ، واشتهار عدالته ، وثقته ، وموافقته لرأي أبي هريرة ومذهبه ، ولخبر ابن عمر الذي رويناه .

ورواية ابن عمر : " فاقدروا له ثلاثين " مخالفة للرواية الصحيحة المتفق عليها ، ولمذهب ابن عمر ورأيه . والنهي عن صوم الشك محمول على حال الصحو ، بدليل ما ذكرناه ، وفي الجملة لا يجب الصوم إلا برؤية الهلال ، أو كمال شعبان ثلاثين يوما ، أو يحول دون منظر الهلال غيم أو قتر ، على ما ذكرنا من الخلاف فيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث