الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الحج عن الميت وغيره

( قال ) فإن نوى الحاج عن الغير أن يقيم بمكة بعد النفر خمسة عشر يوما بطلت نفقته من مال الميت ; لأن بهذه النية صار مقيما بمكة وتوطنه بمكة لحاجة نفسه لا لحاجة الميت فلا يستحق فيه النفقة في مال الميت ، وإنما استحقاقه النفقة في مال الميت في سفره ذاهبا وجائيا ; لأنه في ذلك عامل للميت ، وإن كان أقام دون خمسة عشر يوما فهو مسافر على حاله فنفقته في مال الميت ، وقد كان بعض المتقدمين من مشايخنا رحمهم الله - رحمهم الله تعالى - يقول : إن أقام بعد النفر ثلاثا فنفقته في مال الميت ; لأنه محتاج إلى هذا القدر من المقام للاستراحة ، وإن أقام أكثر من ذلك فنفقته في مال نفسه ، ولكن هذا الجواب كان في زمانهم ; لأنه كان يقدر أن يخرج من مكة متى شاء فأما في زماننا لا يقدر على الخروج إلا مع الناس فإن كان مقامه بمكة لانتظار خروج قافلته فنفقته في مال الميت سواء أقام خمسة عشر [ ص: 149 ] يوما أو أقل أو أكثر ; لأنه لا يقدر على الخروج إلا معهم فلم يكن هو متوطنا بمكة لحاجة نفسه ، وإن أقام بعد خروج قافلته فحينئذ ينفق من مال نفسه فإن بدا له بعد المقام أن يرجع فنفقته في مال الميت ; لأنه كان استحق نفقة الرجوع في مال الميت ، وإنما كان ينفق من مال نفسه لتأخير الرجوع .

فإذا أخذ في الرجوع عادت نفقة الرجوع في مال الميت وهو نظير الناشزة إذا عادت إلى بيت زوجها تستحق النفقة ، وكذلك المضارب إذا أقام في بلدته أو في بلدة أخرى ونوى الإقامة خمسة عشر يوما لحاجة نفسه لم ينفق من مال المضاربة فإن خرج مسافرا بعد ذلك كانت النفقة في مال المضاربة . وقد روي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه قال : لا تعود نفقته من مال الميت هنا ; لأن القياس أن لا يستوجب نفقة الرجوع في مال الميت ; لأنه في حق الرجوع عامل لنفسه لا للميت ، ولكنا تركنا ذلك وقلنا أصل سفره كان لعمل الميت فما بقي ذلك السفر تبقى نفقته في مال الميت ، وبالوصول لم يبق ذلك السفر ، ثم هو أنشأ سفرا بعد ذلك لحاجة نفسه وهو الرجوع إلى وطنه فلا يستوجب لهذا السفر النفقة في مال الميت ، ولم يذكر في الكتاب أنه إذا وصل إلى مكة قبل وقت الحج بزمان كيف يكون حاله في الإنفاق ، وقد ذكر في النوادر عن أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - أنه إذا قدم في الأيام العشر فنفقته في مال الميت ، وإن قدم قبل ذلك أنفق من مال نفسه إلى أن تدخل أيام العشر ، ثم نفقته في مال الميت بعد ذلك ; لأن العادة أن قدوم قوافل مكة يتقدم ويتأخر ، ولكنه في الأيام العشر موافق لما هو العادة . فأما قدومه قبل أيام العشر مخالف لما هو العادة وهو في هذه الإقامة ليس يعمل للميت شيئا فلهذا كانت نفقته في مال نفسه

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث