الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

من أخباره

( 849 ) حدثنا محمد بن عمرو بن خالد الحراني ، ثنا أبي ، ثنا ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة قال : فلما حضر الموسم حج نفر من الأنصار من بني مالك بن النجار منهم : معاذ بن عفراء ، وأسعد بن زرارة ، ومن بني زريق : رافع بن مالك ، وذكوان بن عبد قيس ، ومن بني عبد الأشهل : أبو الهيثم بن التيهان ، ومن بني عمرو بن عوف : عويم بن ساعدة ، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " فأخبرهم خبره الذي اصطفاه الله من نبوته وكرامته ، وقرأ عليهم القرآن ، فلما سمعوا قوله أنصتوا ، واطمأنت أنفسهم إلى دعوته وعرفوا ما كانوا يسمعون من أهل الكتاب من ذكرهم [ ص: 363 ] إياه بصفته ، وما يدعوهم إليه ، فصدقوه وآمنوا به وكانوا من أسباب الخير " ثم قالوا له : قد علمت الذي بينالأوس والخزرج من الدماء ، ونحن نحب ما أرشد الله به وأمرك ، ونحن لله ولك مجتهدون ، وإنا نشير عليك بما ترى ، فامكث على اسم الله حتى نرجع إلى قومنا فنخبرهم بشأنك ، وندعوهم إلى الله ورسوله ، فلعل الله يصلح بيننا ويجمع أمرنا ، فإنا اليوم متباعدون متباغضون ، وإن تقدم علينا اليوم ولم نصطلح لم يكن لنا جماعة عليك ، ولكن نواعدك الموسم من العام المقبل ، فرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قالوا ، فرجعوا إلى قومهم فدعوهم سرا وأخبروهم برسول الله صلى الله عليه وسلم والذي بعثه الله به ، ودعا إليه بالقرآن حتى قل دار من دور الأنصار إلا أسلم فيها ناس - لا محالة - ثم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن ابعث إلينا رجلا من قبلك فيدعو الناس بكتاب الله فإنه أدنى أن يتبع ، " فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير أخا بني عبد الدار فنزل في بني غنم على أسعد بن زرارة فجعل يدعو الناس سرا ، ويفشو الإسلام ، ويكثر أهله وهم في ذلك مستخفون بدعائهم ، ثم إن أسعد بن زرارة أقبل هو ومصعب بن عمير حتى أتيا بئر مري - أو قريبا منها - فجلسنا هنالك وبعثا إلى رهط من أهل الأرض فأتوهم مستخفين ، فبينما مصعب بن عمير يحدثهم ويقص عليهم القرآن أخبر بهم سعد بن معاذ ، فأتاهم في لأمته معه الرمح حتى وقف عليهم فقال : علام يأتينا في دورنا بهذا الوحيد الفريد الطريح الغريب يسفه ضعفاءنا بالباطل ، ويدعوهم إليه ؟ لا أراكم بعدها بشيء من جوارنا ، فرجعوا ثم إنهم عادوا الثانية ببئر مري - أو قريبا - منها فأخبر بهم سعد بن معاذ الثانية فواعدهم بوعيد دون الوعيد الأول ، فلما رأى أسعد منه [ ص: 364 ] لينا قال : يا ابن خالة اسمع من قوله ، فإن سمعت منكرا ، فاردده يا هذا منه ، وإن سمعت خيرا فأجب إليه ، فقال : ماذا يقول ؟ فقرأ عليهم مصعب بن عمير : حم والكتاب المبين ، إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ، فقال سعد بن معاذ : ما أسمع إلا ما أعرف ، فرجع وقد هداه الله ولم يظهر لهم الإسلام حتى رجع إلى قومه ، فدعا بني عبد الأشهل إلى الإسلام ، وأظهر إسلامه وقال : من شك فيه من صغير أو كبير أو ذكر أو أنثى فليأتنا بأهدى منه نأخذ به ، فوالله لقد جاء أمر لتحزن فيه الرقاب ، فأسلمت بنو عبد الأشهل عند إسلام سعد ودعائه - إلا من لا يذكر - فكانت أول دور من دور الأنصار أسلمت بأسرها ، ثم إن بني النجار أخرجوا مصعب بن عمير واشتدوا على أسعد بن زرارة فانتقل مصعب بن عمير إلى سعد بن معاذ ، فلم يزل عنده يدعو ويهدي الله على يديه ، حتى قل دار من دور الأنصار إلا أسلم فيها ناس - لا محالة - وأسلم أشرافهم وأسلم عمرو بن الجموح ، وكسرت أصنامهم ، فكان المسلمون أعز أهلها ، وصلح أمرهم ورجع مصعب بن عمير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يدعى المقرئ .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث