الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


ذكر صور صحت فيها النية مع تردد أو تعليق اشتبه عليه ماء وماء ورد : لا يجتهد ، بل يتوضأ بكل مرة ، ويغتفر التردد في النية للضرورة . قال الإسنوي : ويندفع التردد بأن يأخذ غرفة من هذا وغرفة من هذا ، ويغسل شقي وجهه وينوي حينئذ ، ثم يعكس المأخوذ والمغسول .

عليه صلاة من الخمس فنسيها فصلى الخمس ; ثم تذكرها قال في شرح المهذب : لم أر فيه نقلا ويحتمل أن يكون على الوجهين فيمن تيقن الطهارة وشك في الحدث ، ويحتمل أن يقطع بأن لا تجب الإعادة ; لأنا أوجبناها عليه ، ففعلها بنية الواجب ، ولا نوجبها ثانيا ، بخلاف مسألة الوضوء ، فإنه تبرع به ، ولا يسقط به الفرض قال : وهذا الاحتمال أظهر .

قلت : صرح بالثاني في البحر . ونظيره : من صلى منفردا ، ثم أعاد مع جماعة ، ونوى الفرضية ، كما هو المشهور ثم بان فساد الأولى ، فإن الثانية تجزيه ، ولا يلزم الإعادة ، صرح به الغزالي في فتاويه . عليه صوم واجب ، لا يدري هل هو من رمضان أو نذر ، أو كفارة ، فنوى صوما واجبا ، أجزأه ، كمن نسي صلاة من الخمس ، ويعذر في عدم جزم النية للضرورة ، نقله في شرح المهذب عن الصيمري ، وصاحب البيان ; وأقرها .

وأما التعليق ففيه صور : منها الحج ، بأن يقول مريد الإحرام : إن كان زيد محرما فقد أحرمت ، فإن كان زيد محرما انعقد إحرامه ، وإلا فلا ، ولو علقه بمستقبل ، كقوله : إذا أحرم زيد ، أو جاء رأس الشهر فقد أحرمت فالذي نقله البغوي وآخرون : أنه لا يصح .

وذكر ابن القطان والدارمي والشاشي فيه وجهين : أصحهما ، لا ينعقد ، قال الرافعي وقياس تجويز تعليق أصل الإحرام بإحرام الغير تجويز هذا ، لأن التعليق موجود في الحالين ، إلا أن هذا تعليق بمستقبل وذاك تعليق بحاضر ; وما يقبل التعليق من العقود يقبلهما جميعا .

[ ص: 42 ] قلت : ويؤيد ما ذكره القاضي أبو حامد : أنه لو قال في إحرامه : إن شاء الله . انعقد سواء قصد التعليق أم لا فقيل له : أليس لو قال لعبده : أنت حر إن شاء الله ، صح استثناؤه فيه ؟ فقال : الفرق أن الاستثناء يؤثر في النطق ، ولا يؤثر في النيات ، والعتق ينعقد بالنطق ، فلذلك أثر الاستثناء فيه ، والإحرام ينعقد بالنية ، فلم يؤثر الاستثناء فيه فقيل له : أليس لو قال لزوجته : أنت خلية إن شاء الله ، ونوى الطلاق أثر الاستثناء فيه ؟ فقال : الفرق أن الكناية مع النية في الطلاق كالصريح فلهذا صح الاستثناء .

قال في شرح المهذب : والصواب أن الحكم فيه كسائر العبادات ، إن نوى التبرك ، انعقد وإلا فلا .

ومن صور التعليق في الحج : لو أحرم يوم الثلاثين من رمضان ، وهو شاك ، فقال إن كان من رمضان فإحرامي بعمرة ، أو من شوال فحج فكان شوالا ، كان حجا صحيحا ، نقله في شرح المهذب عن الدارمي ، وأقره .

ونظيره في الطهارة : إن شك في الحدث ، فنوى الوضوء إن كان محدثا ، وإلا فتجديد صح ، نقله في شرح المهذب عن البغوي ، وأقره ، أو ينوي بوضوئه القراءة إن صح الوضوء لها ، وإلا فالصلاة . صح ، نقله في شرح المهذب عن البحر .

وفي الصلاة : شك في قصر إمامه ، فقال : إن قصر قصرت ، وإلا أتممت ، فبان قاصرا قصر ، جزم به الأصحاب .

اختلط مسلمون بكفار ، أو شهداء بغيرهم : صلى على كل واحد بنية الصلاة عليه ، إن كان مسلما أو غير شهيد .

عليه فائتة ، وشك في أدائها فقال : أصلي عنها إن كانت ، وإلا فنافلة ، فبانت : أجزأه . نقله في شرح المهذب عن الدارمي . قال : بخلاف ما لو شك في دخول وقت الصلاة ، فنوى إن كانت دخلت فعنها وإلا فنافلة أو فائتة فإنه لا يجزيه بالاتفاق ، وبخلاف ما لو قال : فائتة أو نافلة للترديد .

وفي الزكاة : نوى زكاة ماله الغائب ، إن كان باقيا ، وإلا فعن الحاضر ، فبان باقيا أجزأه عنه ، أو تالفا أجزأه عن الحاضر .

قال : إن كان سالما فعنه ، وإلا فتطوع ، فبان سالما : أجزأه بالاتفاق . وفي الصوم : نوى ليلة الثلاثين من شعبان صوم غد إن كان من رمضان فهو فرض ، وإن لم يكن فتطوع صحح السبكي والإسنوي : أنه يصح ويجزيه ، ولا يضر هذا التعليق . قلت : وهو المختار ، والمرجح في أصل الروضة خلافه .

وفي الجمعة : أحرم بالصلاة في آخر وقتها ، فقال : إن كان الوقت باقيا فجمعة ، وإلا فظهر ، فبان بقاؤه ، ففي صحة الجمعة وجهان في شرح المهذب ، بلا ترجيح .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث