الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                ومن فروع القسم الرابع .

                " الواطئ بشبهة فيه مهر المثل ; لإتلاف منفعة البضع دون الحد . منها : من قتل جاهلا بتحريم القتل ، فلا قصاص عليه .

                ومنها : قتل الخطأ ، فيه الدية والكفارة دون القصاص .

                ومن ذلك مسألة الوكيل : إذا اقتص بعد عفو موكله جاهلا فلا قصاص عليه على المنصوص ، وعليه الدية في ماله والكفارة ولا رجوع له على العافي ; لأنه محسن بالعفو وقيل لا دية ، وقيل هي على العاقلة ، وقيل يرجع على العافي ; لأنه غره بالعفو .

                ونظير هذه المسألة : ما لو أذن الإمام للولي في قتل الجانية ، ثم علم حملها فرجع ولم يعلم الولي رجوعه فقتل ، فالضمان على الولي .

                ومن ذلك : بعد أقسام مسألة الدهشة ولنلخصها فنقول : إذا قال مستحق اليمين للجاني : أخرجها ، فأخرج يساره فقطعت فله أحوال .

                [ ص: 198 ] أحدها : أن يقصد إباحتها ، فهي مهدرة لا قصاص ولا دية سواء علم القاطع أنها اليسار وأنها لا تجزئ أو لا ; لأن صاحبها بذلها مجانا ; ولأن فعل الإخراج اقترن بقصد الإباحة فقام مقام النطق ، كتقديم الطعام إلى الضيف ; ولأن الفعل بعد السؤال والطلب ، كالإذن كما لو قال : ناولني يدك لأقطعها ، فأخرجها أو ناولني متاعك لألقيه في البحر فناوله ، فلا ضمان . نعم ، يعزر القاطع إذا علم ويبقى قصاص اليمين كما كان .

                فإن قال : ظننت أنها تجزئ أو علمت أنها لا تجزئ ولكن جعلتها عوضا عنها سقط وعدل إلى دية اليمين لرضاه بسقوط قصاصها اكتفاء باليسار .

                الحال الثاني : أن يقصد المخرج إجزاءها عن اليمين ، فيسأل المقتص ، فإن قال : ظننت أنه أباحها بالإخراج أو أنها اليمين ، أو علمت أنها اليسار ، وأنها لا تجزئ ولا تجعل بدلا ، فلا قصاص فيها في الصور الثلاث في الأصح لتسليط المخرج له عليها ، ولكن تجب ديتها ويبقى قصاص اليمين .

                وإن قال : علمت أنها اليسار وظننت أنها تجزئ ، سقط قصاص اليمين وتجب لكل الدية على الآخر .

                الحال الثالث : أن يقول : دهشت فأخرجت اليسار ، وظني أني أخرج اليمين فيسأل المقتص ، فإن قال ظننت أنه أباحها ، قال الرافعي : فقياس المذكور في الحال الثاني ، أن لا يجب القصاص في اليسار .

                قال الأذرعي : وصرح به الكافي لوجود صورة البدل ، قال البلقيني هو السديد .

                قال البغوي : تجب كمن قتل رجلا وقال ظننته أذن لي في القتل ; لأن الظنون البعيدة لا تدرأ القصاص .

                وإن قال : ظننتها اليمين أو علمت أنها اليسار وظننتها تجزئ ، فلا قصاص في الأصح أما في الأولى ، فلأن الاشتباه فيهما قريب ، وأما في الثانية ، فلعذره بالظن .

                وإن قال : علمت أنها اليسار وأنها لا تجزئ وجب القصاص في الأصح ; لأنه لم يوجد من المخرج بذل وتسليط .

                وفي الصور كلها يبقى قصاص اليمين ، إلا في قوله : ظننت أن اليسار تجزئ .

                وإن قال : دهشت أيضا ، لم يقبل منه ويجب القصاص ; لأن الدهشة لا تليق بحاله وإن قال : قطعتها عدوانا وجب أيضا .

                وإن قال المخرج : لم أسمع أخرج يمينك وإنما وقع في سمعي يسارك .

                أو قال : قصدت فعل شيء يختص بي أو كان مجنونا ، فهو كالمدهوش .

                هذا تحرير أحكام هذه المسألة [ ص: 199 ] وفي نظيرها من الحد يجزئ ، ويسقط قطع اليمين بكل حال .

                والفرق أن المقصود في الحد التنكيل ، وقد حصل ، والقصاص مبني على التماثل وأن الحدود مبنية على التخفيف ، وأن اليسار تقطع في السرقة في بعض الأحوال ، ولا تقطع في القصاص عن اليمين بحال .

                التالي السابق


                الخدمات العلمية