الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا

( يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب )

ثم قال تعالى : ( يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ) وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ حميد بن قيس الأعرج ( تبتغون ) بالتاء على خطاب المؤمنين .

المسألة الثانية : في تفسير الفضل والرضوان وجهان :

الأول : يبتغون فضلا من ربهم بالتجارة المباحة لهم في حجهم ، كقوله ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) [البقرة : 198] قالوا : نزلت في تجاراتهم أيام الموسم ، والمعنى : لا تمنعوهم فإنما قصدوا البيت لإصلاح معاشهم ومعادهم ، فابتغاء الفضل للدنيا ، وابتغاء الرضوان للآخرة . قال أهل العلم : إن المشركين كانوا يقصدون بحجهم ابتغاء رضوان الله وإن كانوا لا ينالون ذلك ، فلا يبعد أن يحصل لهم بسبب هذا القصد نوع من الحرمة .

[ ص: 103 ]

والوجه الثاني : أن المراد بفضل الله الثواب ، وبالرضوان أن يرضى عنهم ، وذلك لأن الكافر وإن كان لا ينال الفضل والرضوان لكنه يظن أنه بفعله طالب لهما ، فيجوز أن يوصف بذلك بناء على ظنه ، قال تعالى : ( وانظر إلى إلهك ) [طه : 97] وقال : ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) [الدخان : 49] .

المسألة الثالثة : اختلف الناس فقال بعضهم : هذه الآية منسوخة ، لأن قوله : ( لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ) يقتضي حرمة القتال في الشهر الحرام ، وذلك منسوخ بقوله : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) [التوبة : 5] وقوله : ( ولا آمين البيت الحرام ) يقتضي حرمة منع المشركين عن المسجد الحرام وذلك منسوخ بقوله : ( فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) [التوبة : 28] وهذا قول كثير من المفسرين كابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة . وقال الشعبي : لم ينسخ من سورة المائدة إلا هذه الآية . وقال قوم آخرون من المفسرين : هذه الآية غير منسوخة ، وهؤلاء لهم طريقان :

الأول : أن الله تعالى أمرنا في هذه الآية أن لا نخيف من يقصد بيته من المسلمين ، وحرم علينا أخذ الهدي من المهدين إذا كانوا مسلمين ، والدليل عليه أول الآية وآخرها ، أما أول الآية فهو قوله : ( لا تحلوا شعائر الله ) وشعائر الله إنما تليق بنسك المسلمين وطاعاتهم لا بنسك الكفار ، وأما آخر الآية فهو قوله : ( يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ) وهذا إنما يليق بالمسلم لا بالكافر .

الثاني : قال أبو مسلم الأصفهاني : المراد بالآية الكفار الذين كانوا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلما زال العهد بسورة براءة زال ذلك الحظر ولزم المراد بقوله تعالى : ( فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) . [التوبة : 28 ] .

ثم قال تعالى : ( وإذا حللتم فاصطادوا ) وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قرئ : وإذا أحللتم يقال حل المحرم وأحل ، وقرئ بكسر الفاء وقيل هو بدل من كسر الهمزة عند الابتداء .

المسألة الثانية : هذه الآية متعلقة بقوله : ( غير محلي الصيد وأنتم حرم ) يعني لما كان المانع من حل الاصطياد هو الإحرام ، فإذا زال الإحرام وجب أن يزول المنع .

المسألة الثالثة : ظاهر الأمر وإن كان للوجوب إلا أنه لا يفيد ههنا إلا الإباحة . وكذا في قوله : ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ) [الجمعة : 10] ونظيره قول القائل : لا تدخلن هذه الدار حتى تؤدي ثمنها ، فإذا أديت فادخلها ، أي : فإذا أديت فقد أبيح لك دخولها ، وحاصل الكلام أنا إنما عرفنا أن الأمر ههنا لم يفد الوجوب بدليل منفصل والله أعلم .

ثم قال تعالى : ( ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : قال القفال - رحمه الله - : هذا معطوف على قوله : ( لا تحلوا شعائر الله ) إلى قوله : ( ولا آمين البيت الحرام ) يعني ولا تحملنكم عداوتكم لقوم من أجل أنهم صدوكم عن المسجد الحرام على أن تعتدوا فتمنعوهم عن المسجد الحرام ، فإن الباطل لا يجوز أن يعتدى به . وليس للناس أن يعين بعضهم بعضا على العدوان حتى إذا تعدى واحد منهم على الآخر تعدى ذلك الآخر عليه ، لكن الواجب أن يعين بعضهم بعضا على ما فيه البر والتقوى ، فهذا هو المقصود من الآية .

[ ص: 104 ] المسألة الثانية : قال صاحب " الكشاف " ( جرم ) يجري مجرى كسب في تعديه تارة إلى مفعول واحد ، وتارة إلى اثنين ، تقول : جرم ذنبا نحو كسبه ، وجرمته ذنبا نحو كسبته إياه ، ويقال : أجرمته ذنبا على نقل المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين ، كقولهم : أكسبته ذنبا ، وعليه قراءة عبد الله " ولا يجرمنكم " بضم الياء ، وأول المفعولين على القراءتين ضمير المخاطبين .

والثاني : أن تعتدوا ، والمعنى لا يكسبنكم بغض قوم لأن صدوكم الاعتداء ولا يحملنكم عليه .

المسألة الثالثة : الشنآن البغض ، يقال : شنأت الرجل أشنؤه شنأ ومشنأ وشنأة ومشنأة وشنآنا بفتح الشين وكسرها ، ويقال : رجل شنآن وامرأة شنآنة مصروفان ، ويقال شنآن بغير صرف ، وفعلان قد جاء وصفا وقد جاء مصدرا .

المسألة الرابعة : قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وإسماعيل عن نافع بجزم النون الأولى ، والباقون بالفتح . قالوا : والفتح أجود لكثرة نظائرها في المصادر كالضربان والسيلان والغليان والغشيان ، وأما بالسكون فقد جاء في الأكثر وصفا . قال الواحدي : ومما جاء مصدرا قولهم : لويته حقه ليانا ، وشنآن في قول أبي عبيدة . وأنشد للأحوص :


وإن عاب فيه ذو الشنآن وفندا

فقوله : ذو الشنآن على التخفيف كقولهم : إني ظمآن ، وفلان ظمآن ، بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على ما قبلها .

المسألة الخامسة : قرأ ابن كثير وأبو عمرو ( وإن صدوكم ) بكسر الألف على الشرط والجزاء ، والباقون بفتح الألف ، يعني لأن صدوكم . قال محمد بن جرير الطبري : وهذه القراءة هي الاختيار لأن معنى صدهم إياهم عن المسجد الحرام منع أهل مكة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة ، وهذه السورة نزلت بعد الحديبية ، وكان هذا الصد متقدما لا محالة على نزول هذه الآية .

ثم قال تعالى : ( واتقوا الله إن الله شديد العقاب ) والمراد منه التهديد والوعيد ، يعني اتقوا الله ولا تستحلوا شيئا من محارمه إن الله شديد العقاب ، لا يطيق أحد عقابه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث