الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 296 ] تفسير سورة المرسلات وهي مكية .

قال البخاري : حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، [ حدثنا أبي ] ، حدثنا الأعمش ، حدثني إبراهيم ، عن الأسود ، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال : بينما نحن مع النبي صلى الله عليه وسلم ، في غار بمنى ، إذ نزلت عليه : " والمرسلات " فإنه ليتلوها وإني لأتلقاها من فيه ، وإن فاه لرطب بها ، إذ وثبت علينا حية ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اقتلوها " ، فابتدرناها فذهبت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " وقيت شركم كما وقيتم شرها " .

وأخرجه مسلم أيضا ، من طريق الأعمش .

وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن عبيد الله ، عن ابن عباس ، عن أمه : أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفا .

وفي رواية مالك ، عن الزهري ، عن عبيد الله ، عن ابن عباس : أن أم الفضل سمعته يقرأ : " والمرسلات عرفا " ، فقالت : يا بني ، ذكرتني بقراءتك هذه السورة ، أنها لآخر ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في المغرب .

أخرجاه في الصحيحين ، من طريق مالك ، به .

بسم الله الرحمن الرحيم

( والمرسلات عرفا ( 1 ) فالعاصفات عصفا ( 2 ) والناشرات نشرا ( 3 ) فالفارقات فرقا ( 4 ) فالملقيات ذكرا ( 5 ) عذرا أو نذرا ( 6 ) إنما توعدون لواقع ( 7 ) فإذا النجوم طمست ( 8 ) وإذا السماء فرجت ( 9 ) وإذا الجبال نسفت ( 10 ) وإذا الرسل أقتت ( 11 ) لأي يوم أجلت ( 12 ) ليوم الفصل ( 13 ) وما أدراك ما يوم الفصل ( 14 ) ويل يومئذ للمكذبين ( 15 ) )

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا زكريا بن سهل المروزي ، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق ، أخبرنا الحسين بن واقد ، حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة‌ : ( والمرسلات عرفا ) قال : الملائكة .

[ ص: 297 ]

قال : وروي عن مسروق وأبي الضحى ومجاهد - في إحدى الروايات - والسدي والربيع بن أنس ، مثل ذلك .

وروي عن أبي صالح أنه قال : هي الرسل . وفي رواية عنه : أنها الملائكة . وهكذا قال أبو صالح في " العاصفات " و " الناشرات " [ و " الفارقات " ] و " الملقيات " : أنها الملائكة .

وقال الثوري ، عن سلمة بن كهيل ، عن مسلم البطين ، عن أبي العبيدين ، قال : سألت ابن مسعود ، عن ( والمرسلات عرفا ) قال : الريح . وكذا قال في : ( فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا ) إنها الريح . وكذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح - في رواية عنه - وتوقف ابن جرير في ( والمرسلات عرفا ) هل هي الملائكة إذا أرسلت بالعرف ، أو كعرف الفرس يتبع بعضهم بعضا ؟ أو : هي الرياح إذا هبت شيئا فشيئا ؟ وقطع بأن العاصفات عصفا هي الرياح ، كما قاله ابن مسعود ومن تابعه . وممن قال ذلك في العاصفات أيضا : علي بن أبي طالب والسدي ، وتوقف في ( والناشرات نشرا ) هل هي الملائكة أو الريح ؟ كما تقدم . وعن أبي صالح : أن الناشرات نشرا : المطر .

والأظهر أن : " المرسلات " هي الرياح ، كما قال تعالى : ( وأرسلنا الرياح لواقح ) [ الحجر : 22 ] ، وقال تعالى : ( وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ) [ الأعراف : 57 ] وهكذا العاصفات هي : الرياح ، يقال : عصفت الريح إذا هبت بتصويت ، وكذا الناشرات هي : الرياح التي تنشر السحاب في آفاق السماء ، كما يشاء الرب عز وجل .

وقوله : ( فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا ) يعني : الملائكة قاله ابن مسعود ، وابن عباس ، ومسروق ، ومجاهد ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، والسدي ، والثوري . ولا خلاف هاهنا ; فإنها تنزل بأمر الله على الرسل ، تفرق بين الحق والباطل ، والهدى والغي ، والحلال والحرام ، وتلقي إلى الرسل وحيا فيه إعذار إلى الخلق ، وإنذار لهم عقاب الله إن خالفوا أمره .

وقوله : ( إنما توعدون لواقع ) هذا هو المقسم عليه بهذه الأقسام ، أي : ما وعدتم به من قيام الساعة ، والنفخ في الصور ، وبعث الأجساد وجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد ، ومجازاة كل عامل بعمله ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، إن هذا كله ) لواقع ) أي : لكائن لا محالة .

ثم قال : ( فإذا النجوم طمست ) أي : ذهب ضوؤها ، كقوله : ( وإذا النجوم انكدرت ) [ التكوير : 2 ] وكقوله : ( وإذا الكواكب انتثرت ) [ الانفطار : 2 ] .

( وإذا السماء فرجت ) أي : انفطرت وانشقت ، وتدلت أرجاؤها ، ووهت أطرافها .

( وإذا الجبال نسفت ) أي : ذهب بها ، فلا يبقى لها عين ولا أثر ، كقوله : ( ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ) [ طه : 105 - 107 ] [ ص: 298 ] وقال تعالى : ( ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا ) [ الكهف : 47 ]

وقوله : ( وإذا الرسل أقتت ) قال العوفي ، عن ابن عباس : جمعت . وقال ابن زيد : وهذه كقوله تعالى : ( يوم يجمع الله الرسل ) [ المائدة : 109 ] . وقال مجاهد : ( أقتت ) أجلت .

وقال الثوري ، عن منصور ، عن إبراهيم : ( أقتت ) أوعدت . وكأنه يجعلها كقوله : ( وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون ) [ الزمر : 69 ] .

ثم قال : ( لأي يوم أجلت ليوم الفصل وما أدراك ما يوم الفصل ويل يومئذ للمكذبين ) يقول تعالى : لأي يوم أجلت الرسل وأرجئ أمرها ؟ حتى تقوم الساعة ، كما قال تعالى : ( فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار ) [ إبراهيم : 47 ، 48 ] وهو يوم الفصل ، كما قال ( ليوم الفصل )

ثم قال معظما لشأنه : ( وما أدراك ما يوم الفصل ويل يومئذ للمكذبين ) أي : ويل لهم من عذاب الله غدا . وقد قدمنا في الحديث أن " ويل " : واد في جهنم . ولا يصح .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث