الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مسألة : قال الشافعي - رحمه الله - : " فكل متبايعين في سلعة وعين وصرف وغيره ، فلكل واحد منهما فسخ البيع حتى يتفرقا تفرق الأبدان على ذلك ، أو يكون بيعهما عن خيار ، وإذا كان يجب التفرق بعد البيع ، فكذلك يجب إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع ، وكذلك قال طاوس : خير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا بعد البيع ، فقال الرجل : عمرك الله ممن أنت ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " امرؤ من قريش " . ( قال ) فكان طاوس يحلف ما الخيار إلا بعد البيع " .

قال الماوردي : قد ثبت بما مضى خيار المجلس في البيوع كلها ، وفي الصرف ، والسلم : لأنهما نوعان منها غير أن خيار الثلاث وإن دخل في البيوع ، فهو غير داخل في الصرف والسلم : لأن القبض قبل الافتراق لما كان شرطا في صحتهما ، منع من بقاء علق العقد بعد الافتراق ، وخيار الثلاث يبقي علق العقد بعد الافتراق فمنع منه .

فإذا ثبت ذلك فعقد البيع يلزم بشيئين : هما :

- العقد .

- والافتراق .

وإذا كان لا يلزم إلا بهما وجب بيان كل واحد منهما .

فنبدأ ببيان العقد وحكمه ، ثم بالافتراق ولزوم البيع به .

فصل : فأما العقد فيصح باعتبار ثلاثة شروط :

أحدها : اللفظ الذي يعقد به .

والثاني : كيفية العقد به .

والثالث : بيان ما يصير العقد تابعا به .

فأما الشرط الأول : وهو اللفظ الذي يعقد به . فألفاظه على ثلاثة أضرب :

ضرب : يصح العقد به : وضرب لا يصح العقد به : وضرب مختلف فيه : هل يصح العقد به أم لا ؟

فأما ما يصح العقد به ، فلفظة واحدة من جهة البائع ، وهي قوله :

قد بعتك ، وإحدى لفظتين من جهة المشتري ، هما : قوله : قد اشتريت ، أو قد ابتعت : لأن معنى الشراء والابتياع سواء .

[ ص: 40 ] وأما ما لا يصح العقد به : فهو كل لفظ كان يحتمل معنى البيع وغيره ، كقوله : قد أبحتك هذا العبد بألف ، أو قد سلطتك عليه ، أو قد أوجبته لك ، أو جعلته لك . كل هذه الألفاظ لا يصح عقد البيع بها : لاحتمالها ، وأن معنى البيع ليس بصريح فيها .

وأما المختلف فيه : فهو قوله : قد ملكتك . فيه لأصحابنا وجهان :

أحدهما : يصح العقد به : لأن حقيقة البيع : تمليك المبيع بالعوض ، فلا فرق بين ذلك وبين قوله : بعتك .

والوجه الثاني : وهو الصحيح لا يصح العقد به ، لعلتين :

إحداهما : أن لفظ التمليك يحتمل البيع ويحتمل الهبة على العوض ، فصار من جملة الألفاظ المحتملة .

والأخرى : أن التمليك هو حكم البيع وموجبه ، فاحتاج إلى تقديم العقد ، ليكون التمليك يتعقبه .

فصل : فأما كيفية العقد بألفاظه المختصة به ، فيحتاج أن يكون لفظ البائع خارجا على أحد الوجهين :

إما مخرج البذل ، أو مخرج الإيجاب .

ولفظ المشتري خارجا على أحد الوجهين أيضا :

إما مخرج القبول ، أو مخرج الطلب .

وإذا كان كذلك ، فإن لهما في عقد البيع بلفظه ثلاثة أحوال :

إحداهن : أن يعقداه بلفظ الماضي .

والثانية : بلفظ المستقبل .

والثالثة : بلفظ الأمر .

فأما عقده بلفظ الماضي : فهو أن يبدأ البائع ، فيقول : قد بعتك عبدي بألف ، ويقول المشتري قد اشتريته منك بها ، فيصح العقد : لأن قول البائع : قد بعتك ، يكون بذلا ، وقول المشتري : قد اشتريت ، يكون قبولا ، والبيع يصح بالبذل والقبول .

وكذا لو قال المشتري مبتدئا : قد اشتريت هذا العبد بألف ، فيقول البائع : قد بعتك بها ، صح البيع ، ولم يحتج المشتري إلى إعادة القبول بعد بذل البائع بوفاق أبي حنيفة : لأن هذا القول من المشتري إذا تقدم وإن كان بلفظ القبول يتضمن معنى الطلب ، وقول البائع إذا تأخر وإن كان بلفظ البذل يتضمن معنى الإيجاب ، والبيع يصح بالطلب والإيجاب ، كما يصح بالبذل والقبول .

فأما إذا ابتدأ البائع ، فقال : قد اشتريت مني عبدي بألف ، فقال : قد اشتريته ، لم [ ص: 41 ] يصح البيع بهذا اللفظ ، حتى يقول البائع بعد ذلك : قد بعتك : لأن قول البائع للمشتري : قد اشتريت مني ، هو استخبار ، وليس ببذل منه ولا إيجاب ، وما لم يكن بذلا ولا إيجابا ، لم يصح عقد البيع به من جهة البائع .

وهكذا لو ابتدأ المشتري فقال للبائع : قد بعتني عبدك بألف ، فقال : قد بعتك ، لم يصح البيع ، حتى يقول المشتري بعد ذلك : قد اشتريت : لأن هذا القول من المشتري ، ليس بقبول ولا طلب ، وما لم يكن قبولا ولا طلبا ، لم يصح عقد البيع به من جهة المشتري .

وأما عقده بلفظ المستقبل : فهو أن يبدأ البائع فيقول : سأبيعك عبدي بألف ، أو يقول : أبيعك عبدي بألف ، ويقول المشتري : اشتريته بها أو سأشتريه . أو يقول المشتري : تبيعني عبدك بألف ، فيقول : أبيعك ، أو يقول البائع : تشتري عبدي بألف ، فيقول : اشتريته ، فلا يصح عقد البيع بذلك : لأنه خارج مخرج الوعد . وهكذا جميع ما تلفظا به من الألفاظ المستقبلة ، لا يصح عقد البيع بها لما ذكرنا .

ومن هذا النوع أيضا أن يكون اللفظ خارجا مخرج الاستفهام كقوله : أتشتري عبدي بألف ؟ فيقول : قد اشتريته ، أو يقول المشتري : أتبيع عبدك بألف ؟ فيقول : قد بعته ، فلا يصح البيع أيضا لما ذكرنا .

وأما عقده بلفظ الأمر . فإن ابتدأ البائع فقال للمشتري : اشتر عبدي بألف ، فقال : قد اشتريت ، لم يصح البيع ، إلا أن يعود البائع فيقول : قد بعت ، ولو ابتدأ المشتري فقال للبائع : بعني عبدك بألف ، فقال : قد بعتك بها ، صح البيع ، ولم يحتج المشتري إلى إعادة القبول عندنا .

والفرق بين أن يقول البائع مبتديا للمشتري : اشتر عبدي بألف ، فيقول : قد اشتريت ، فلا يصح البيع ، وبين أن يبتدئ المشتري فيقول للبائع : بعني عبدك بألف ، فيقول : قد بعتك بها ، فيصح البيع ، وإن كان كلا اللفظين أمرا :

أن البائع إنما يراد من جهته البذل مبتديا أو الإيجاب مجيبا ، ولفظ الأمر بقوله : اشتر ، لم يوضع للبذل ولا للإيجاب .

والمشتري إنما يراد من جهته القبول مجيبا أو الطلب مبتديا ، ولفظ الأمر بقوله : بعني ، موضوع للطلب وإن لم يوضع للقبول .

فهذا فرق ما بين لفظي البائع والمشتري في الابتداء به على وجه الأمر عن طريق اللغة ومعاني الألفاظ .

وقال أبو حنيفة : هما سواء ، إذا ابتدأ المشتري فقال : بعني عبدك بألف ، فقال البائع : [ ص: 42 ] قد بعتك بها ، لم يصح البيع ، حتى يعود المشتري فيقول : قد اشتريته ، فيكون هذا قبولا ، كما لو ابتدأ البائع فقال : اشتر عبدي بألف ، وما ذكرناه من الفرق بين معنى اللفظتين كاف .

ثم الدليل عليه من جهة المعنى الشرعي أن كل ما لزم اعتباره في صحة عقد البيع من صفات لفظه ، لزم اعتباره في صحة عقد النكاح من صفات لفظه .

فلما لو كان ابتدأ الزوج فقال للولي : زوجني ابنتك ، فقال : قد زوجتك ، صح النكاح ، ولم يحتج الزوج إلى القبول بعد إجابة الولي ، وقام ذلك مقام أن يبتدئ الولي فيقول للزوج : قد زوجتك بنتي ، ويقول الزوج : قد تزوجت ، وجب أن يكون حكم البيع بمثابته .

ويتحرر من هذا الاستدلال قياسان :

أحدهما : أنه عقد لو تقدم فيه البذل كفاه القبول ، فإذا تقدم فيه الطلب كفاه الإيجاب كالنكاح .

والثاني : أن كل ما لو كان بلفظ النكاح كان نكاحا ، فإذا كان بلفظ البيع كان بيعا ، كما لو تقدم البذل .

فصل : فأما إذا كان المبيع عبدا بعبد ، وعقداه بلفظ الأمر ، والمتبايعان متساويان فيه ، فأيهما جعل نفسه باللفظ بائعا أو مشتريا ، لزمه حكمه .

فإذا قال أحدهما : بعني عبدك هذا بعبدي ، فقال الآخر : قد بعتك به ، صح به البيع ، لأن المبتدئ أنزل نفسه منزلة المشتري ، فلزمه حكمه .

ولو كان الأول قال : اشتر مني عبدي هذا بعبدك ، فقال : قد اشتريته منك ، لم يصح البيع : لأنه أنزل نفسه منزلة البائع ، فلزمه حكمه .

فصل : فأما ما يصير العقد تاما به ، فشيئان :

أحدهما : تعجيل القبول على الفور إن تقدم البذل ، أو تعجيل الإيجاب على الفور إن تقدم الطلب ، من غير فصل ، ولا بعد ، فإن فصل بين البذل والقبول بكلام ليس منه ، أو تطاول ما بين البذل والقبول بالإمساك حتى بعد منه . لم يتم العقد ، ولم يكن للقبول تأثير ، إلا أن يعقبه البائع بالإيجاب ، فيصير القبول طلبا والإيجاب جوابا ، ويتم البيع ، ولكن لو حصل بين القبول والبذل إمساك لبلع الريق وقطع النفس ، تم العقد ، ولم يكن لهذا الإمساك تأثير في فساده .

والثاني : أن يكون قبول المشتري يقتضي ما تضمنه بذل البائع من الثمن ، وهو أن يقول البائع : قد بعتك عبدي بألف ، فيقول المشتري : قد اشتريته بالألف ، أو يقول : قد [ ص: 43 ] اشتريته بها ، فيصح الشراء : لأن القبول قد تضمن ما تناوله البذل من الثمن ، وكذلك لو قال المشتري - حين قال البائع - : قد بعتك عبدي بألف - : قد قبلت هذا البيع ، صح البيع ، ولزم فيه الألف ، وإن لم يصرح المشتري بها في قبوله : لأن بذل البائع قد تناولها ، وقبول المشتري توجه إليها .

فإن قيل : أليس لو قال الولي في النكاح : قد زوجتك بنتي على صداق ألف ، فقال الزوج : قد قبلت تزويجها ؟ أو قال : قد تزوجتها ، ولم يقل : على هذا الصداق ، صح النكاح ، ولم يلزم الصداق حتى يصرح به . في قبوله : فما الفرق بينه وبين البيع ؟ .

قيل : الفرق بينهما : أن البيع لا يصح إلا بثمن ، فإذا حصل فيه القبول تضمن ما يتناوله البذل من الثمن ، والنكاح قد يصح مع خلوه من الصداق ، فلذلك لم يلزم فيه الصداق إلا أن يصرح به في قبوله .

ولو قال البائع : قد بعتك عبدي بألف إن قبلت الشراء مني ، فقال : نعم ، صح البيع وتم .

وكذا لو كان بينهما متوسط في العقد ، فقال للبائع : بعته عبدك بألف ، فقال : نعم ، وقال للمشتري : اشتريته بها ، فقال نعم ، صح البيع وتم .

وكذا لو ابتدأ المتوسط بالمشتري فقال : اشتريت هذا العبد من فلان بألف ؟ ، فقال : نعم ، وقال للبائع : بعته عليه بالألف ؟ ، فقال : نعم ، صح البيع وتم .

ويفارق النكاح في أحد الوجهين بما نذكره هناك من الفرق بينهما .

ولكن لو قال البائع : قد بعتك عبدي هذا بألف ، فقال المشتري : قد ابتعته بخمسمائة ، لم يصح البيع .

وهكذا لو قال المشتري : قد قبلته بألفين ، لم يصح البيع أيضا : لأنهما لم يجتمعا في البذل والقبول على ثمن واحد ، ولا يصح البيع ، حتى يكون الثمن معلوما يتفقان عليه .

وقال أبو حنيفة : يصح البيع بالألف : لاجتماعهما عليها ، والألف الأخرى زيادة ، إن شاء البائع قبلها ، وإن شاء ردها . قال : ولو قال المشتري : بعني هذا العبد بألف ، فقال البائع : قد بعتك بخمسمائة ، صح البيع بخمسمائة ، وقد حطه خمسمائة ، وحل ذلك حطا : لأن الثمن مختلف في حال العقد لم يجتمع عليه في البذل والقبول سواء عاد البائع ، فقبل الزيادة ، أو المشتري فقبل الحطيطة أم لا ؟

ولا يصح البيع إلا باستئناف العقد لما ذكرناه . فهذا حكم العقد .

[ ص: 44 ] فصل : وأما الافتراق : فهو موضوع لقطع الخيار ، ولزوم البيع ، لأن الخيار ثابت لكل واحد منهما بعد العقد في الفسخ والإمضاء ، وقطع هذا الخيار يكون بأحد وجهين :

إما بالافتراق . وإما بالتخيير القائم في قطع الخيار مقام الافتراق .

فأما حد الافتراق ، فقد ورد الشرع به مطلقا ، وما أطلقه الشرع ولم يكن محدودا في اللغة كان الرجوع في حده إلى العرف كالقبض في المبيعات ، والإحراز في المسروقات ، فإذا فارق أحدهما صاحبه إلى حيث ينسب في العرف أنه مفارق له ، انقطع الخيار ولزم البيع ، مثال ذلك إن تبايعا في دار فيخرج أحدهما منها ، فيكون هذا افتراقا سواء صغرت الدار أو كبرت ، بعد الخارج منها أم قرب .

فأما إن لم يخرج منها ، ولكن قام من أحد جانبيها الذي تبايعا فيه إلى الجانب الآخر ، نظر : فإن كانت الدار واسعة ، كان ذلك تفرقا ، وإن كانت الدار صغيرة ، لم يقع التفرق إلا بالخروج منها أو الصعود إلى علوها .

وكذا السفينة إذا تبايعا فيها ، فإن كانت صغيرة ، لم يقع التفرق إلا بخروج أحدهما منها إلى الأرض ، أو إلى سفينة غيرها ، أو إلى الماء . وإن كانت السفينة كبيرة وقع الافتراق بقيام أحدهما من أحد جانبيها الذي تبايعا فيه إلى الجانب الآخر ، كأنهما تبايعا في الصدر ، ثم قام أحدهما إلى المؤخر ، أو تبايعا في المؤخر ثم قام أحدهما إلى الصدر .

فأما إن تبايعا في سوق كبيرة ، فقد قال الشافعي : فالتفرق : أن يولي أحدهما ظهره ، قال أصحابنا : أراد بذلك أن يولي ظهره ويمشي قليلا حتى يزايل موضع العقد في العرف ، كما كان يفعل عبد الله بن عمر في بيوعه .

فأما إذا كانا في موضع تبايعهما ومجلس عقدهما ، فبني بينهما حائط ، لم يكن ذلك تفرقا : لأن الحائط المبني حائل ، والحائل لا يفرق بينهما ، كما لو حال بينهما رجل بوقوفه .

فأما إذا قاما جميعا عن مجلس تبايعهما ، ومشيا مجتمعين ، ولم يفترقا بأبدانهما ، فهما على خيارهما وإن طال الزمان وبعد ، وحكي عن عبد الله بن الحسن العنبري : أن خيارهما قد انقطع بمفارقة مجلسهما .

وحديث أبي برزة الأسلمي حيث أثبت الخيار للمتبايعين وقد غدوا عليه ، وقوله لهما : ما أراكما تفرقتما عن رضا منكما ببيع . دليل على أنه قد عقل معنى الافتراق عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فهذا الكلام في افتراق المتبايعين .

فصل : فأما حكم الافتراق في عقد البيع إذا تم بواحد ، وهو الأب إذا ابتاع من ابنه الصغير لنفسه ، أو باع عليه من نفسه بنفسه ، ففيه وجهان :

[ ص: 45 ] أحدهما : وهو يحكى عن أبي إسحاق المروزي فيما علق عنه : أن حد الافتراق في بيعه أن يفارق مجلس بيعه الذي ابتاع فيه من ابنه إلى حيث لا ينسب في العرف إليه ، فيكون ذلك تفرقا يلزم به البيع .

والوجه الثاني : وهو قول جمهور أصحابنا : أن الخيار باق وإن فارق مجلسه : لأنه لا يصح أن يكون مفارقا لنفسه ، ويكون الخيار باقيا إلى بلوغ ابنه ، أو يخير الأب نفسه عن ابنه ، فيختار لنفسه وعن ابنه إمضاء البيع وقطع الخيار ، فيلزم حينئذ البيع .

فأما إذا مات أحد المتبايعين قبل التفرق ، فانتقل الخيار إلى وارثه ، وإن كان غائبا ، فله الخيار في موضعه الذي بلغه حيث كان ، فإن زال عن الموضع ، سقط خياره .

وإن اختار أحدهما الفسخ والآخر الإمضاء ، غلب الفسخ على الإمضاء : لأن موضوع الخيار الفسخ .

ولا فرق بين أن يفترق المتبايعان عن قصد لقطع الخيار ولزوم البيع ، أو غير قصد ناسيين . فهذا الكلام في حد الافتراق وحكمه وما يتعلق عليه من فروعه .

فصل : فأما التخيير القائم في قطع الخيار ولزوم البيع مقام الافتراق :

فهو أن يخير أحدهما صاحبه بعد البيع فيختار الإمضاء : فينقطع بذلك الخيار ، ويلزم معه العقد وإن كانا في مجلس بيعهما لم يتفرقا .

وقال أحمد بن حنبل : لا حكم للتخيير في لزوم البيع ، وهما على خيارهما ما لم يتفرقا لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " .

والدلالة عليه : الخبر المروي في كتابنا رابعا عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " كل بيعين فلا بيع بينهما حتى يفترقا أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر " . وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - ابتاع من أعرابي فرسا ، فقال له " اختر " . فقال : عمرك الله ممن أنت ؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " امرؤ من قريش " .

ولأن الخيار خياران : خيار شرط ، وخيار عقد .

ثم ثبت أن خيار الشرط ينقطع بالتخيير ، فكذلك خيار العقد يجب أن ينقطع بالتخيير .

فإذا ثبت أن التخيير يقوم مقام الافتراق في قطع الخيار ولزوم البيع ، فخير أحدهما صاحبه :

فإن اختارا جميعا الإمضاء ، انقطع الخيار ولزم البيع .

وإن اختارا جميعا الفسخ ، انفسخ البيع وإن اختار أحدهما الفسخ والآخر الإمضاء غلبا الفسخ على الإمضاء ، وفسخ البيع : لأن موضوع الخيار الفسخ .

[ ص: 46 ] فصل : وقد يكون صريحا : بأن يقول : فسخت .

وقد يكون بما يقوم مقام قوله : قد فسخت . وهو أن يقول البائع في المجلس والثمن مؤجل : لست أمضي البيع إلا بتعجيل الثمن ، ويقول المشتري : لست أعجل الثمن ، فيكون ذلك فسخا للعقد ، ويقوم مقام قوله : قد فسخت ، وكذلك نظائر ذلك وأشباهه .

فلو قال المشتري والثمن ألف درهم صحاح : لست أختاره إلا بألف غلة ، فقال البائع : لست أمضيه بالغلة ، كان فسخا ، وإن لم يفترقا وأمضاه البائع بالألف الغلة كان ذلك استئناف عقد غير الأول وكان لهما الخيار ما لم يفترقا ، أو يختارا الإمضاء .

ومما يكون للبيع ويقوم مقام قوله : قد فسخت ، أن يتلف المبيع قبل الافتراق ، فيكون فسخا للعقد لتلفه قبل انبرام العقد .

فلو قبض المشتري السلعة ، ثم تلفت في يده قبل الافتراق ، بطل العقد ، وكانت السلعة مضمونة على المشتري بالقيمة دون الثمن ، لفساد العقد بالتلف ، ووجوب الضمان باليد .

ولو قبضها المشتري ، ثم أودعها البائع في المجلس ، ثم تلفت في يد البائع قبل الافتراق ، بطل البيع ، وكانت مضمونة على المشتري بالقيمة ، ولا تكون مضمونة على البائع : لأنها كانت في يده وديعة للمشتري .

ومما يكون فسخا للبيع أن يؤجره أو يوصي به ، أو يعرضه على البيع من غيره أو يقفه ، أو يكون عبدا فيعتقه ، أو ثوبا فيلبسه ، إلى أشباه ذلك .

فلو اختلفا بعد الافتراق ، فقال أحدهما : افترقنا عن فسخ ، وقال الآخر : افترقنا عن تراض : ففيه لأصحابنا وجهان :

أحدهما : أن القول قول من ادعى الافتراق عن تراض : لأن دعواه تتضمن إنفاذ البيع ، وهو الظاهر من حال العقد .

والوجه الثاني : أن القول قول من ادعى الافتراق عن فسخ : لأن دعواه تتضمن فسخ البيع .

وإذا اختلف المتبايعان في إثبات العقد وإنكاره ، كان القول قول منكره دون مثبته ، فكذلك إذا كان الاختلاف في إنفاذه وفسخه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث