الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مسألة : قال الشافعي رحمه الله تعالى : " ولو عجل المشتري فوطئها فأحبلها قبل التفرق في غفلة من البائع ، واختار البائع فسخ البيع ، كان على المشتري مهر مثلها ، وقيمة ولده منها يوم تلده ، ولحقه بالشبهة " .

قال الماوردي : وهذا كما قال : إذا وطئ المشتري الجارية المبيعة في مدة الخيار ، فعلى ضربين :

أحدهما : أن يكون وطؤه فيما دون الفرج ، فلا مهر فيه سواء تم البيع أو انفسخ . وهل يوجب ذلك تحريم المصاهرة أم لا ؟ على قولين .

والضرب الثاني : أن يطأ في الفرج ، فهذا على ضربين :

أحدهما : أن تحبل بوطئه .

والثاني : أن لا تحبل .

فإن لم تحبل بوطئه ، فلا حد عليه فيه على الأقاويل كلها ، لشبهة الملك .

فأما المهر ، فمعتبر بتمام البيع وفسخه :

فإن تم البيع بينهما ، فلا مهر عليه إن قيل : إنه قد ملك بنفس العقد ، أو قيل : إنه مراعى ، لأن وطأه : صادف ملكه . وإن قيل : إنه لا يملك إلا بالعقد والافتراق ، ففي وجوب المهر عليه وجهان مبنيان على اختلاف الوجهين في خيار المجلس والشرط ، هل يجري مجرى خيار العيب أو مجرى خيار البذل والقبول ؟

أحدهما : أنه يجري مجرى خيار العيب فعلى هذا لا مهر عليه .

والثاني : أنه يجري مجرى خيار البذل والقبول ، فعلى هذا عليه المهر .

وإن انفسخ البيع بينهما ، فعليه المهر إن قيل : لا يملك إلا بالعقد والافتراق ، أو قيل : إنه مراعى .

[ ص: 54 ]

فأما إن قيل : إنه قد ملك بنفس العقد ، ففي وجوب المهر عليه وجهان على ما مضى .

فصل : وإن أحبلها بوطئه ، فالولد حر يلحق به : ويتعلق على ذلك ثلاثة أحكام :

أحدها : في المهر ، وهو على ما مضى سواء .

والثاني : في قيمة الولد ، وهو كالمهر .

إن تم البيع بينهما ، فلا قيمة للولد عليه ، إن قيل : إنه قد ملك بنفس العقد ، أو قيل : إنه مراعى .

وإن قيل : إنه لا يملك إلا بالعقد والافتراق ، ففي وجوب قيمته وجهان :

أحدهما : عليه القيمة ، لأنها حملت به في غير ملكه .

والثاني : لا قيمة عليه ، لأنها تضعه في ملكه .

وإن انفسخ البيع بينهما ، فعليه قيمة الولد إن قيل : لا يملك إلا بالعقد والافتراق ، أو قيل : إنه مراعى .

وإن قيل : إنه قد ملك بنفس العقد ، ففي وجوب قيمته وجهان :

أحدهما : ليس عليه قيمته ، لأنها علقت به في ملكه .

والثاني : عليه قيمته : لأنها تضعه في غير ملكه .

والحكم الثالث : في كونها أم ولد أم لا ؟ وهو مبني على أصل نذكره ، ثم نبني جواب المسألة عليه ، وذلك أنه لا يخلو ولد الأمة من ثلاثة أضرب :

أحدها : إن تعلق بمملوك ، إما من زواج أو زنا ، فلا تصير به أم ولد للواطئ في الحال ولا في ثاني حال .

والضرب الثاني : إن تعلق بحر في ملك كالسيد يطأ أمته ، فتعلق منه ، فقد صارت به أم ولد في الحال .

فلو كان قد تعلق برقبتها حق الغير فبيعت فيه كالمرتهن إذا بيعت في حقه ، ثم ملكها من بعد ، صارت أم ولد قولا واحدا .

والضرب الثالث : إن تعلق بحر في غير ملك كوطء الشبهة ، فلا تصير به أم ولد في الحال .

وهل تصير به أم ولد إذا ملكها في ثاني حال ؟ على قولين :

فإذا ثبت هذا الأصل ، فلا يخلو حال العقد عليها من أحد أمرين :

إما أن يتم بينهما ، أو ينفسخ . فإن تم البيع بينهما ، صارت أم ولد له ، إذا قيل : إنه قد ملك بنفس العقد أو قيل : إنه مراعى : لأنها علقت منه بحر في ملك .

[ ص: 55 ] فأما إن قيل : إنه لا يملك إلا بالعقد والافتراق ، فهل تصير له أم ولد أم لا ؟ على قولين : لأنها قد كانت علقت منه بحر في غير ملك .

وإن انفسخ البيع بينهما ، صح الفسخ وكان للبائع أن يتصرف فيها بعد الفسخ كيف شاء من بيع أو غيره : لأن تعلق حقه برقبتها مقدم على حرية ولدها ، كحق المرتهن ، إذا صارت الأمة المرهونة أم ولد للراهن . وإن ملكها المشتري فيما بعد ، فإن قيل : إنه قد كان ملكها بنفس العقد ، صارت له أم ولد ، لأنها قد كانت علقت منه بحر في ملكه . وإن قيل : إنه لم يكن مالكا إلا بالعقد والافتراق ، أو قيل : إن الملك مراعى ، فهل تكون أم ولد له أم لا ؟ على قولين ، لأنها قد كانت علقت منه بحر في غير ملك .

فصل : وأما قول الشافعي : ولو عجل المشتري ، فوطئها ، فأحبلها قبل التفرق .

فقد أنكر عليه قوم ، وقالوا : إحبالها قبل التفرق مستحيل .

وعنه جوابان :

أحدهما : أنه على التقديم والتأخير ، وتقدير الكلام :

ولو عجل المشتري فوطئها قبل التفرق في غفلة من البائع فأحبلها ، وهذا مستقيم ، فقدم لفظ الإحبال ، وإن كان في المعنى مؤخرا .

والجواب الثاني : أن الكلام على حاله لا تقديم فيه ولا تأخير ، ومعناه مستقيم : لأن الإحبال يقع قبل التفرق : لأنه حادث عن الوطء ، وإنما يتأخر ظهوره ، وليس تأخر ظهوره بمانع من حصوله .

وأما قوله : في غفلة من البائع : ففيه تأويلان :

أحدهما : أنه شرط في بقاء الخيار للبائع ، ولو رآه البائع يطأ كان رضا منه لإمضاء البيع وقطعا لخياره . وهذا قول أبي العباس بن سريج : لأن البائع يستحق بخياره منع المشتري من التصرف ، فإذا رآه يتصرف ، فأمسك عن منعه ، كان راضيا به ، فبطل خياره .

والتأويل الثاني : أنه قال ذلك لتحقيق صورة المسألة ، إذ بعيد في العادة أن يطأ الناس بحضرة الناس ، فأحب أن يصورها على ما يصح وجودها في العرف ، ولا يكون ذلك شرطا في خيار البائع ، ولا تكون رؤية البائع وعدم إنكاره قطعا لخياره : لأن الرضا لا يكون مأخوذا من فعل الغير والله أعلم .

فصل : فأما وطء المشتري ، فهل يكون قاطعا لخياره ورضا منه لإمضاء البيع أم لا ؟

على وجهين :

أحدهما : وهو قول أبي العباس بن سريج : يكون قاطعا لخياره كوطء البائع .

[ ص: 56 ] والوجه الثاني : وهو قول أبي إسحاق المروزي : أن وطء المشتري لا يكون رضا لإمضاء البيع ، وإن كان وطء البائع رضا للفسخ .

والفرق بينهما : أن البيع لما لم يصح إلا بالقول ، لم يصح إمساكه والرضا به إلا بالقول .

ولما كان الملك قد يحصل بالفعل كالاصطياد والاحتشاش ، جاز أن يكون الرد إلى الملك بالفعل يفسخ البيع فيصح بالفعل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث