الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب لعق الأصابع ومصها قبل أن تمسح بالمنديل

5140 81 - حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إذا أكل أحدكم فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها "

التالي السابق


مطابقته للترجمة ظاهرة، والحديث أخرجه مسلم في الأطعمة عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره، وأخرجه النسائي في الوليمة عن محمد بن محمد بن يزيد، وأخرجه ابن ماجه في الأطعمة عن ابن أبي عمرو به.

قوله: "إذا أكل أحدكم" أي طعاما، وكذا في رواية مسلم.

قوله: "حتى يلعقها" بفتح الياء من لعق يلعق من باب علم يعلم لعقا.

قوله: "أو يلعقها" بضم الياء وكلمة "أو" ليست للشك وإنما هي للتنويع أي أو يلعقها غيره، وقال النووي: معناه والله أعلم لا يمسح يده حتى يلعقها هو فإن لم يفعل فحتى يلعقها غيره ممن لا يتقذر ذلك كزوجة أو ولد وخادم يحبونه ولا يتقذرونه، وكذا من كان في معناهم كتلميذ يعتقد البركة بلعقها، وكذا لو ألعقها شاة ونحوها، وقال البيهقي: كلمة أو للشك من الراوي فإن كانا جميعا محفوظين، فإنما أراد أن يلعقها صغيرا أو من يعلم أنه لا يتقذر بها، ويحتمل أن يكون أراد أن يلعق إصبعه فمه فيكون بمعنى "يلعقها" فتكون أو للشك.

والكلام في هذا الباب على أنواع:

الأول: أن نفس اللعق مستحب محافظة على تنظيفها ودفعا للكبر، والأمر فيه محمول على الندب والإرشاد عند الجمهور، وحمله أهل الظاهر على الوجوب.

وقال الخطابي: قد عاب قوم لعق الأصابع؛ لأن الترفه أفسد عقولهم، وغير طباعهم الشبع والتخمة، وزعموا أن لعق الأصابع مستقبح أو مستقذر، أو لم يعلموا أن الذي على أصابعه جزء من الذي أكله فلا يتحاشى منه إلا متكبر ومترفه تارك للسنة.

الثاني: أن من الحكمة في لعق الأصابع ما ذكره في حديث أبي هريرة وأخرجه الترمذي قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: "إذا أكل أحدكم فليلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه البركة" وأخرجه مسلم أيضا، والنسائي، وابن ماجه من رواية سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: "إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه البركة" يعني فيما أكل أو فيما بقي على أصابعه أو فيما بقي في الإناء فيلعق يده ويمسح الإناء؛ رجاء حصول البركة، والمراد بالبركة -والله أعلم- ما يحصل به التغذية وتسلم عاقبته من أذى، ويقوي على طاعة الله تعالى، وغير ذلك، وقال النووي: وأصل البركة الزيادة وثبوت الخير والامتناع به.

الثالث: أنه ينبغي في لعق الأصابع الابتداء بالوسطى ثم السبابة ثم الإبهام كما جاء في حديث كعب بن عجرة رواه الطبراني في (الأوسط) قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأكل بأصابعه الثلاث قبل أن يمسحها بالإبهام والتي تليها والوسطى، ثم رأيته يلعق أصابعه الثلاث فيلعق الوسطى ثم التي تليها ثم الإبهام، وكان السبب في ذلك أن الوسطى أكثر الثلاثة تلويثا بالطعام؛ لأنها أعظم الأصابع وأطولها فينزل في الطعام منه أكثر مما ينزل من السبابة، وينزل من السبابة في الطعام أكثر من الإبهام لطول السبابة على الإبهام، ويحتمل أن يكون البدء بالوسطى لكونها أول ما ينزل في الطعام لطولها.

الرابع: أن في الحديث: "فلا يمسح يده حتى يلعقها" وهذا [ ص: 77 ] مطلق، والمراد به الأصابع الثلاث التي أمر بالأكل بها كما في حديث أنس أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي من رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أكل طعاما لعق أصابعه الثلاث، وبين الثلاث في حديث كعب بن عجرة المذكور آنفا، وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يأكل بهذه الثلاث المذكورة في حديث كعب، وقال ابن العربي: فإن شاء أحد أن يأكل بالخمس فليأكل فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتعرق العظم وينهش اللحم، ولا يمكن أن يكون ذلك في العادة إلا بالخمس كلها، وقال شيخنا: فيه نظر؛ لأنه يمكن بالثلاث، ولئن سلمنا ما قاله فليس هذا أكلا بالأصابع الخمس، وإنما هو ممسك بالأصابع فقط لا آكل بها، ولئن سلمنا أنه آكل بها لعدم الإمكان فهو محل الضرورة كمن ليس له يمين فله الأكل بالشمال.

قلت: حاصل هذا أن شيخنا منع استدلال ابن العربي بما ذكره، والأمر فيه أن السنة أن يأكل بالأصابع الثلاث وإن أكل بالخمس فلا يمنع، ولكنه يكون تاركا للسنة إلا عند الضرورة. فافهم.

الخامس: أنه ورد أيضا استحباب لعق الصحفة أيضا على ما روى الطبراني من حديث العرباض بن سارية قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من لعق الصحفة ولعق أصابعه أشبعه الله في الدنيا والآخرة" وروى الترمذي من حديث أبي اليمان قال: حدثتني أم عاصم وكانت أم ولد لسنان بن سلمة قالت: دخل علينا نبيشة الخير ونحن نأكل في قصعة فحدثنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أكل في قصعة ثم لحسها استغفرت له القصعة " وقال: هذا حديث غريب، ونبيشة بضم النون وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وبشين معجمة ابن عبد الله بن عمرو بن عتاب بن الحارث بن نصير بن حصين بن رابغة، وقيل: رابغة بن لحيان بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار الهذلي، ويقال له نبيشة الخير، ويقال: الخيل باللام، وهو ابن عم سلمة بن المحبق.

السادس: ما المراد باستغفار القصعة؟ يحتمل أن الله تعالى يخلق فيها تمييزا أو نطقا تطلب به المغفرة، وقد ورد في بعض الآثار أنها تقول: آجرك الله كما أجرتني من الشيطان، ولا مانع من الحقيقة، ويحتمل أن يكون ذلك مجازا كني به.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث