الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

النقول المشرقة في مسألة النفقة

فإن قال قائل : أيستمتع بها ولا تلزمه نفقة ؟ قلنا : الاستمتاع في مقابلة المهر كما هو مصرح به في كلامهم ، وكيف يتخيل أن النفقة تجب بمطلق الاستمتاع ، وقد قال صاحب التنبيه : ولا تجب النفقة إلا بالتمكين التام ؟ قال ابن الرفعة في الكفاية : احترز الشيخ بلفظ التام عما إذا قالت : أنا أسلم نفسي إليك ليلا دون النهار ، وفي نهار دون الليل ، أو في البلد الفلاني دون غيره ، أو في المنزل الفلاني ، فإن النفقة لا تجب بذلك ؛ إذ لم يحصل التمكين المقابل بالنفقة ، وقال : وصورة التمكين التام أن تقول : سلمت نفسي إليك ، فإن اخترت أن تصير إلي وتأخذني وتستمتع بي فذاك إليك ، وإن اخترت جئت إليك في أي مكان شئت أو ما يؤدي هذا المعنى .

وعبارة الشيخ في المهذب : إذا سلمت المرأة إلى زوجها ومكن من الاستمتاع بها ، ونقلها إلى حيث يريد وهما من أهل الاستمتاع في نكاح صحيح وجبت نفقتها ، فإن امتنعت من تسليم نفسها ، أو مكنت من استمتاع دون استمتاع ، أو في منزل دون منزل ، أو في بلد دون بلد لم تجب النفقة ؛ لأنه لم يوجد التمكين التام فلم تجب النفقة ، كما لا يجب ثمن المبيع إذا امتنع البائع من تسليم المبيع ، أو سلم في موضع دون موضع .

[ ص: 267 ] وعبارة ابن الصباغ في الشامل : فإذا مكنت الزوجة من نفسها بأن تقول : سلمت نفسي إليك في أي مكان شئت فقد وجبت لها النفقة ، فأما إذا قالت : أسلم نفسي إليك في منزلي ، أو في الموضع الفلاني دون غيره لم يكن هذا تسليما تاما ، ولم تستحق النفقة ، كما لو قال البائع : أسلم إليك السلعة على أن تتركها في موضعها ، أو في مكان بعينه لم يكن تسليما يستحق به تسليم العوض إليه ؛ ولهذا قلنا : إن السيد إذا زوج أمته وسلمها ليلا دون النهار لم تستحق النفقة على الزوج ، فإنه لم يحصل التسليم التام .

وعبارة المحاملي في المجموع : وإنما يجب بالتمكين التام المستند إلى عقد صحيح ، فإذا قالت المرأة : مكنتك من نفسي ، فإن شئت أن تتركني في منزلي فافعل ، وإن شئت أن تنقلني إلى حيث شئت فافعل ، فإذا وجد ذلك استحقت النفقة ، وأما إذا لم يكن ذلك تمكينا تاما ، بأن قالت : أمكنك من نفسي في منزلي ، ولا أنتقل معك إلى موضع آخر فإنها لا تستحق النفقة بحال ، كالسيد إذا زوج أمته ولم يسلمها ليلا ولا نهارا ، بل قال : أسلمها بالليل دون النهار فإن النفقة لا تجب بذلك .

وعبارة ابن أبي عصرون في المرشد : إذا سلمت المرأة إلى زوجها ومكن من الاستمتاع بها ، ونقلها إلى حيث يريد ، وهما من أهل الاستمتاع في نكاح صحيح وجبت النفقة عليه ، وإن امتنعت من تسليم نفسها ، أو مكنت من استمتاع دون استمتاع ، أو في منزل دون منزل ، أو في بلد دون بلد لم تجب النفقة .

وعبارة سليم الرازي في الكفاية : وإذا لم تسلم نفسها إلى الزوج لم تستحق عليه نفقة ، وسواء امتنعت منه بكل حال ، أو قالت : أنتقل معك إلى محلة دون محلة ، وهكذا إن تزوج بها وسكت كل واحد منهما فلم يطلب الزوج أن تسلم نفسها ، ولم تطلب هي أن يتسلمها لم تستحق النفقة ، وإذا أرادت أن تسلم نفسها فإن كان الزوج حاضرا سلمت نفسها إليه ، بأن تقول : بذلت نفسي لك ، فإن شئت أن تردد إلي فافعل ، وإن شئت أن تنقلني إلى أي موضع أردت فافعل ، وإذا فعلت ذلك استحقت النفقة .

وعبارة صاحب البيان : إذا زوج الرجل أمته فليس عليه أن يرسلها مع زوجها ليلا ونهارا ، وإنما يجب عليه أن يرسلها معه بالليل دون النهار ، فإن اختار السيد إرسالها لزوجها ليلا ونهارا وجب على الزوج جميع نفقتها ؛ لأنه قد حصل له الاستمتاع التام ، وإن سلمها السيد بالليل دون النهار ففيه وجهان : من أصحابنا من قال : يجب عليه نصف نفقتها ، [ ص: 268 ] والمذهب أنه لا يجب عليه شيء من نفقتها ؛ لأنه لم يسلمها تسليما تاما ، فهو كما لو سلمت الحرة نفسها بالليل دون النهار ، أو في بيت دون بيت .

وعبارة الشاشي في العمدة : إذا سلمت المرأة إلى زوجها وهي من أهل الاستمتاع ومكن من الاستمتاع بها ، ونقلها حيث يريد وجب عليه نفقتها ، وكذا عبارته في كتابه المسمى بالترغيب ، ثم رأيت الماوردي قال في الحاوي ما نصه : وأما التمكين فيشتمل على أمرين لا يتم إلا بهما ، أحدهما : تمكينه من الاستمتاع بها ، والثاني : تمكينه من النقلة معه حيث شاء في البلد الذي تزوجها فيه ، وإلى غيره من البلاد إذا كانت السبل مأمونة ، فلو مكنته من نفسها ولم تمكنه من النقلة معه لم تجب عليه النفقة ؛ لأن التمكين لم يكمل إلا أن يستمتع بها في زمان الامتناع من النقلة ، فتجب لها النفقة ، ويصير استمتاعه بها عفوا عن النقلة في ذلك الزمان هذه عبارته .

وقد يتمسك بها من أفتى بخلاف ما أفتينا به ، بل أنا لما رأيتها توقفت كل التوقف ، ثم بان لي أنها لا تعارض ما تقدم وذلك أني رأيت الماوردي اختار في النفقة طريقة ضعيفة خلاف الطريقة التي صححها الشيخان ، واعترف هو أن ما اختاره مخالف لما عليه الجمهور ، ولظاهر مذهب الشافعي فإنه اختار أنه لا يخلو استمتاع بزوجة عن نفقة وفرع على ذلك ، واختار في الأمة إذا سلمت ليلا لا نهارا أنه يجب لها القسط من النفقة ، وقال في الحرة الممتنعة من النقلة : إذا استمتع بها يجب لها نفقة زمن الاستمتاع على قياس قوله في الأمة : بالتقسيط ، ومعلوم أن هذه الطريقة في الأمة ضعيفة ، والمشهور أنه لا نفقة لها أصلا .

وهذه عبارة الماوردي : قال : الحالة الثانية أن يمكنها منها ليلا في زمان الاستمتاع ، ويمنعه منها نهارا في زمان الاستخدام ، فلا خيار للزوج في فسخ نكاحها إذا كان عالما برقها ؛ لأنه حكم مستقر في نكاح الأمة ، وفي نفقتها وجهان : أحدهما - وهو قول أبي إسحاق المروزي ، وجمهور أصحابنا - أنه لا نفقة عليه لقصور استمتاعه عن حال الكمال ، والوجه الثاني - وهو قول أبي علي بن أبي هريرة - والأظهر عندي أن عليه من نفقتها بقسطه من زمان الاستمتاع ، وهو أن يكون على الزوج عشاؤها ، وعلى السيد غداؤها ؛ لأن العشاء يراد لزمان الليل ، والغداء يراد لزمان النهار ، وعليه من الكسوة ما تتدثر به ليلا ، وعلى السيد منه ما تلبسه نهارا ، وإنما تقسطت النفقة عليه ، ولم تسقط عنه من أجل وجود الاستمتاع ؛ لئلا يخلو استمتاع بزوجة من استحقاق نفقة - هذا لفظه بحروفه ، فانظر كيف رجح في مسألة الأمة خلاف ما رجحه الشيخان ، وكيف قال في الأول : أنه قول جمهور الأصحاب ، وفيما رجحه الأظهر [ ص: 269 ] عندي إشارة إلى أنه اختيار له خارج عما رجحه الجمهور ، وانظر كيف بنى أصله على أن الاستمتاع لا يخلو من نفقة ، وذلك غير لازم عند الجمهور ، ومنهم الشيخان ، فعرف أن قوله ذلك في الحرة بناء على أصله هو لا على طريقة الجمهور ، وقال الماوردي أيضا بعد هذا الكلام بورقتين : فإن بوأها معه السيد منزلا ليلا ونهارا وجبت عليه نفقتها ، وإن منعه منها ليلا ونهارا سقطت نفقتها ، وكان السيد متعديا بمنعها منه في الليل دون النهار ، وإن بوأها معه ليلا ، واستخدمها نهارا لم يتعد ، وفي نفقتها ما قدمناه من الوجهين : أحدهما - وهو قول المروزي - والظاهر من مذهب الشافعي أنه يسقط عنه جميعها ، والثاني - وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وهو الأصح عندي - أنه يجب عليه من النفقة بقسطها من زمان الليل دون النهار ، وهو ما قابل العشاء دون الغداء انتهى .

وإنما قال في الأول : إنه الظاهر من مذهب الشافعي ؛ لأنه نص عليه في المختصر كما تقدمت عبارته ، ثم تأمل عبارة الماوردي السابقة في الحرة ، تجده لم يوجب لها النفقة في كل الأيام ، إنما أوجب لها نفقة زمن الاستمتاع خاصة ، لقوله : ويصير استمتاعه بها عفوا عن النقلة في ذلك الزمان ، فقيده بقوله في ذلك الزمان ، وذلك يحتمل معنيين : أحدهما : أنه يجب لها إذا استمتع في يوم نفقة ذلك اليوم كله ، فعلى هذا إذا استمتع بها في منزلها أياما وترك ذلك أياما ، أو غاب عنها في البلد ، أو في سفر لم تستحق نفقة أيام الغيبة ولا أيام ترك الاستمتاع ، ولو كانت في منزله لاستحقت نفقة هذه الأيام كلها ، وهذا أغلظ ما يؤخذ من عبارة الماوردي وهي كالصريحة فيه .

والثاني : أنه إذا استمتع بها في يوم لم تجب نفقة ذلك اليوم كله بل بالقسط ، فإن استمتع في النهار لزمه غداؤها دون العشاء ، أو في الليل لزمه عشاؤها دون الغداء ، كما هو قياس قوله في الأمة ، وهذا يرشد إليه قوله : ويصير استمتاعه بها عفوا عن النقلة في ذلك الزمان ، أي : في زمن الاستمتاع خاصة ، فلا يجب عليه إلا نفقته فقط ؛ لأن العفو مقصور عليه ، والنفقة عنده تقسيط ، فيجب ما قابل ذلك الزمن فقط إما الغداء أو العشاء ، وتبقى سائر الأوقات التي لم يستمتع بها وهي ممتنعة غير عفو فلا يجب لها شيء ، ولا شك أن كلا من المعنيين تحتمله عبارته .

ويحتمل أيضا أصل العبارة معنى ثالثا : وهو أنه لم يرد بذلك التي قالت : لا أسلم إلا في بيتي ، وإنما أراد من سلمت في منزله ، وبذلت له الطاعة ، ثم أراد أن ينقلها إلى منزل آخر ، أو يسافر بها إلى بلد آخر فامتنعت ، فإنه ما دام يستمتع بها في منزله الأول يجب لها النفقة استصحابا للطاعة السابقة ، والتسليم السابق مع تقويته بالاستمتاع ، بخلاف من قالت : لا أسلم إلا في بيتي فإنها لم تدخل تحت قهره وطاعته أصلا ، فلا يفيد الاستمتاع بها نفقة ، بل هو في [ ص: 270 ] هذه الصورة كالمحجور عليه من قبلها خلاف موضوع الزوجية ، ولا شك أن العرف قاض بأن للساكن بزوجته في بيت نفسه من الراحة والعز والسلطة وقوة النفس ما ليس للساكن في بيت زوجته أو عند أهلها ، والإنسان لا يكون أميرا في بيت غيره والزوج يحتاج إلى المباسطة مع زوجته ، ورفع الحشمة معها في الأقوال والأفعال ، وذلك لا يتأتى له وهي في منزل أهلها ، خصوصا إذا كانت الدار واحدة تجمع الجميع ، وهي في حجرة من حجرها وإن استقلت بمرافقها ، هذا أمر يعرفه كل أحد .

وقد ورد حديث مخرج في بعض الأجزاء الحديثية أن إبليس قال : إنما أحزن على الساكن في بيت زوجته ، ولا يحضرني الآن سنده ، وسأتبعه وألحقه ، ثم تذكرت عن شيخنا شيخ الإسلام شرف الدين المناوي أنه كان يقول فيما إذا امتنعت الزوجة من النقلة ، وسكن الزوج في بيتها : ينبغي أن يعرض عليها النقلة في كل يوم ؛ ليتحقق امتناعها ، فإذا امتنعت سقطت نفقة ذلك اليوم ؛ لأن نشوز لحظة في اليوم يسقط نفقة كل اليوم ، وهذا الذي قاله شيخنا تحقيقا من عنده ، قصد به أن يتحقق امتناعها من النقلة في كل يوم لاحتمال أن تكون رجعت عن الامتناع ، ويكون سكن الزوج في منزلها باختيار نفسه ، وهي بحيث لو طلبت منها لأجابت ، فإنها في هذه الحالة تستحق النفقة بلا شك ، والذي أقوله : أن ما قاله شيخنا محمول على الاستحباب والاستظهار ، لبراءة الذمة لأجل هذا الاحتمال لا على الوجوب ؛ لأن الأصل بقاؤها على الامتناع إلى أن يتيقن منها الطاعة صريحا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث