الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة سبع وخمسين وأربعمائة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر بناء مدينة بجاية .

لما كانت هذه الوقعة بين بني حماد والعرب ، ( وقويت العرب ) ، اهتم تميم بن المعز لذلك ، وأصابه حزن شديد ، فبلغ ذلك الناصر ، وكان له وزير اسمه أبو بكر بن أبي الفتوح ، وكان رجلا جيدا يحب الاتفاق بينهم ، ويهوى دولة تميم ، فقال للناصر : ألم أشر عليك أن لا تقصد ابن عمك ، وأن تتفقا على العرب ، فإنكما لو اتفقتما لأخرجتما العرب .

فقال الناصر : لقد صدقت ، ولكن لا مرد لما قدر ، فأصلح ذات بيننا ، فأرسل الوزير رسولا من عنده إلى تميم يعتذر ، ويرغب في الإصلاح ، فقبل تميم قوله ، وأراد أن يرسل رسولا إلى الناصر ، فاستشار أصحابه ، فاجتمع رأيهم على محمد بن البعبع . وقالوا له : هذا رجل غريب ، وقد أحسنت إليه ، وحصل له منك الأموال والأملاك ، فأحضره ، وأعطاه مالا ودواب وعبيدا وأرسله ، فسار مع الرسول حتى وصل إلى بجاية ، وكانت حينئذ منزلا فيه رعية من البربر ، فنظر إليها محمد بن البعبع ، وقال في نفسه : إن هذا المكان يصلح أن يكون به مرسى ومدينة ، وسار حتى وصل إلى الناصر ، فلما أوصل الكتاب وأدى الرسالة قال للناصر : معي وصية إليك ، وأحب أن تخلي المجلس ، فقال الناصر : أنا لا أخفي عن وزيري شيئا ، فقال : بهذا أمرني الأمير تميم ، فقام الوزير أبو بكر وانصرف فلما خرج قال الرسول : يا مولاي إن الوزير مخامر عليك ، هواه مع الأمير تميم ، لا يخفي عنه من أمورك شيئا ، وتميم مشغول مع [ ص: 203 ] عبيده قد استبد بهم ، واطرح صنهاجة وغير هؤلاء ، ولو وصلت بعسكرك ما بت إلا فيها لبغض الجند والرعية لتميم ، وأنا أشير عليك بما تملك به المهدية وغيرها . وذكر له عمارة بجاية ، وأشار عليه أن يتخذها دار ملك ، ويقرب من بلاد إفريقية ، وقال له : أنا أنتقل إليك بأهلي ، وأدبر دولتك ، فأجابه الناصر إلى ذلك ، وارتاب بوزيره ، وسار مع الرسول إلى بجاية ، وترك الوزير بالقلعة .

فلما وصل الناصر والرسول إلى بجاية أراه موضع الميناء والبلد والدار السلطانية ، وغير ذلك ، فأمر الناصر من ساعته بالبناء والعمل ، وسر بذلك ، وشكره ، وعاهده على وزارته إذا عاد إليه ، ورجعا إلى القلعة فقال الناصر لوزيره : إن هذا الرسول محب لنا ، وقد أشار ببناء بجاية ، ويريد الانتقال إلينا ، فاكتب له جواب كتبه ، ففعل .

وسار الرسول ، وقد ارتاب به تميم ، حيث تجدد بناء بجاية عقيب مسيره إليهم ، وحضوره مع الناصر فيها ، وكان الرسول قد طلب من الناصر أن يرسل مع بعض ثقاته ليشاهد الأخبار ويعود بها ، فأرسل معه رسولا يثق به ، فكتب معه : إنني لما اجتمعت بتميم لم يسألني عن شيء قبل سؤاله عن بناء بجاية ، وقد عظم أمرها عليه ، واتهمني ، فانظر إلى من تثق به من العرب ترسلهم إلى موضع كذا ، فإني سائر إليهم مسرعا ، وقد أخذت عهود زويلة وغيرها على طاعتك . وسير الكتاب ، فلما رآه الناصر سلمه إلى الوزير ، فاستحسن الوزير ذلك ، وشكره ، وأثنى عليه ، وقال : لقد نصح وبالغ في الخدمة ، فلا تؤخر عنه إنفاذ العرب ليحضر معهم .

ومضى الوزير إلى داره ، وكتب نسخة من الكتاب ، وأرسل الكتاب الذي بخط الرسول إلى تميم ، وكتابا منه يذكر الحال من أوله إلى آخره . فلما وقف تميم على الكتاب عجب من ذلك ، وبقي يتوقع له سببا يأخذه به ، إلا أنه جعل عليه من يحرسه [ ص: 204 ] في الليل والنهار من حيث لا يشعر ، فأتى بعض أولئك الحرس إلى تميم ، وأخبره أن الرسول صنع طعاما ، وأحضر عنده الشريف الفهري ، وكان هذا الشريف من رجال تميم وخواصه ، فأحضره تميم ، فقال : كنت واصلا إليك ، وحدثه أن ابن البعبع الرسول دعاني ، فلما حضرت عنده قال : أنا في ذمامك ، أحب أن تعرفني مع من أخرج من المهدية ، فمنعته من ذلك وهو خائف ، فأوقفه تميم على الكتاب الذي بخطه ، وأمره بإحضاره ، فأحضره الشريف . فلما وصل إلى باب السلطان لقيه رجل بكتاب العرب الذين سيرهم الناصر ، ومعهم كتاب الناصر إليه يأمره بالحضور عنده ، فأخذ الكتاب وخرج الأمير تميم ، فلما رآه ابن البعبع سقطت الكتب منه ، فإذا عنوان أحدها : من الناصر بن علناس إلى فلان ، فقال له تميم : من أين هذه الكتب ؟ فأخذها وقرأها ، فقال الرسول ابن البعبع : العفو يا مولانا ! فقال : لا عفا الله عنك ! وأمر به فقتل وغرقت جثته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث