الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وأربعمائة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر مسير المسلمين إلى الفرنج وما كان منهم

لما سمع قوام الدولة كربوقا بحال الفرنج ، وملكهم أنطاكية ، جمع العساكر وسار إلى الشام ، وأقام بمرج دابق ، واجتمعت معه عساكر الشام ، تركها وعربها سوى من كان بحلب ، فاجتمع معه دقاق بن تتش وطغتكين أتابك ، وجناح الدولة ، وصاحب حمص ، وأرسلان تاش ، صاحب سنجار ، وسليمان بن أرتق ، وغيرهم من الأمراء ممن ليس مثلهم ، فلما سمعت الفرنج عظمت المصيبة عليهم ، وخافوا لما هم فيه من الوهن ، وقلة الأقوات عندهم ، وسار المسلمون ، فنازلوهم علىأنطاكية ، وأساء كربوقا السيرة ، فيمن معه من المسلمين ، وأغضب الأمراء وتكبر عليهم ظنا منه أنهم يقيمون معه على هذه الحال ، فأغضبهم ذلك ، وأضمروا له في أنفسهم الغدر ، إذا كان قتال ، وعزموا على إسلامه عند المصدوقة .

وأقام الفرنج بأنطاكية ، بعد أن ملكوها ، اثني عشر يوما ليس لهم ما يأكلونه ، وتقوت الأقوياء بدوابهم ، والضعفاء بالميتة وورق الشجر ، فلما رأوا ذلك أرسلوا إلى [ ص: 419 ] كربوقا يطلبون منه الأمان ليخرجوا من البلد ، فلم يعطهم ما طلبوه ، وقال : لا تخرجون إلا بالسيف .

وكان معهم من الملوك بردويل ، وصنجيل ، وكندفري ، والقمص ، صاحب الرها وبيمنت ، صاحب أنطاكية ، وهو المقدم عليهم وكان معهم راهب مطاع فيهم ، وكان داهية من الرجال ، فقال لهم : إن المسيح ، عليه السلام ، كان له حربة مدفونة بالقسيان الذي بأنطاكية ، وهو بناء عظيم ، فإن وجدتموها فإنكم تظفرون ، وإن لم تجدوها فالهلاك متحقق .

وكان قد دفن قبل ذلك حربة في مكان فيه ، وعفى أثرها ، وأمرهم بالصوم والتوبة ، ففعلوا ذلك ثلاثة أيام ، فلما كان اليوم الرابع أدخلهم الموضع جميعهم ، ومعهم عامتهم ، والصناع منهم ، وحفروا في جميع الأماكن فوجدوها كما ذكر ، فقال لهم : أبشروا بالظفر ، فخرجوا في اليوم الخامس من الباب متفرقين من خمسة ، وستة ، ونحو ذلك ، فقال المسلمون لكربوقا : ينبغي أن تقف على الباب ، فتقتل كل من يخرج ، فإن أمرهم الآن ، وهم متفرقون ، سهل فقال لا تفعلوا ! أمهلوهم حتى يتكامل خروجهم فنقتلهم ، ولم يمكن من معاجلتهم ، فقتل قوم من المسلمين جماعة من الخارجين ، فجاء إليهم هو بنفسه ، ومنعهم ، ونهاهم .

فلما تكامل خروج الفرنج ، ولم يبق بأنطاكية أحد منهم ، ضربوا مصافا عظيما ، فولى المسلمون منهزمين ، لما عاملهم به كربوقا أولا من الاستهانة بهم والإعراض عنهم ، وثانيا من منعهم عن قتل الفرنج ، وتمت الهزيمة عليهم ولم يضرب أحد منهم بسيف ، ولا طعن برمح ، ولا رمى بسهم ، وآخر من انهزم سقمان بن أرتق ، وجناح الدولة ، لأنهما كانا في الكمين ، وانهزم كربوقا معهم . فلما رأى الفرنج ذلك ظنوه مكيدة ، إذ لم يجر قتال ينهزم من مثله ، وخافوا أن يتبعوهم ، وثبت جماعة من المجاهدين ، وقاتلوا حسبة ، وطلبا للشهادة ، فقتل الفرنج منهم ألوفا ، وغنموا ما في [ ص: 420 ] العسكر من الأقوات والأموال والأثاث والدواب والأسلحة ، فصلحت حالهم ، وعادت إليهم قوتهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث