الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة اثنتين وخمسمائة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر عدة حوادث

في هذه السنة عاد منصور بن صدقة بن مزيد إلى باب السلطان ، فتقبله وأكرمه ، وكان قد هرب ، بعد قتل والده ، إلى الآن ، والتحق أخوه بدران بن صدقة بالأمير مودود الذي أقطعه السلطان الموصل ، فأكرمه ، وأحسن صحبته .

وفيها ، في نيسان ، زادت دجلة زيادة عظيمة ، وتقطعت الطرق ، وغرقت الغلات الشتوية والصيفية ، وحدث غلاء عظيم بالعراق ، بلغت كارة الدقيق الخشكار عشرة دنانير إمامية ، وعدم الخبز رأسا ، وأكل الناس التمر والباقلاء الخضراء ، وأما أهل السواد فإنهم لم يأكلوا جميع شهر رمضان ، ونصف شوال ، سوى الحشيش والتوت .

وفيها ، في رجب ، عزل وزير الخليفة أبو المعالي هبة الله بن المطلب ، ووزر له أبو القاسم علي بن أبي نصر بن جهير .

وفيها ، في شعبان ، تزوج الخليفة المستظهر بالله ابنة السلطان ملكشاه ، وهي أخت السلطان محمد ، وكان الذي خطب النكاح القاضي أبو العلاء صاعد بن محمد النيسابوري ، الحنفي ، وكان المتولي لقبول العقد نظام الملك أحمد بن نظام الملك ، [ ص: 574 ] وزير السلطان ، بوكالة من الخليفة ، وكان الصداق مائة ألف دينار ، ونثرت الجواهر والدنانير ، وكان العقدبأصبهان .

وفيها تولى مجاهد الدين بهروز شحنكية بغداذ ، وكان سبب ذلك أن السلطان محمدا كان قبض على أبي القاسم الحسين بن عبد الواحد ، صاحب المخزن ، وعلى أبي الفرج بن رئيس الرؤساء ، واعتقلهما عنده ، ثم أطلقهما الآن ، وقرر عليهما مالا يحملانه إليه ، فأرسل مجاهد الدين بهروز لقبض المال ، وأمره السلطان بعمارة دار المملكة ، ففعل ذلك ، وعمر الدار ، وأحسن إلى الناس ، فلما قدم السلطان إلى بغداذ ولاه شحنكية العراق جميعه ، وخلع على سعيد بن حميد العمري ، صاحب جيش صدقة ، وولاه الحلة السيفية ، وكان صارما ، حازما ، ذا رأي وجلد .

وفيها ، في شوال ، ملك الأمير سكمان القطبي ، صاحب خلاط ، مدينة ميافارقين بالأمان ، بعد أن حصرها وضيق على أهلها عدة شهور ، فعدمت الأقوات بها ، واشتد الجوع بأهلها فسلموها .

وفي هذه السنة ، في صفر ، قتل قاضي أصبهان عبيد الله بن علي الخطيبي بهمذان ، وكان قد تجرد ، في أمر الباطنية ، تجردا عظيما ، وصار يلبس درعا حذرا منهم ، ويحتاط ، ويحترز ، فقصده إنسان عجمي ، يوم جمعة ، ودخل بينه وبين أصحابه فقتله .

وقتل صاعد بن محمد بن عبد الرحمن أبو العلاء قاضي نيسابور ، يوم عيد الفطر ، قتله باطني ، وقتل الباطني ، ومولده سنة ثمان وأربعين وأربعمائة ، وسمع الحديث ، وكان حنفي المذهب .

وفي هذه السنة سار قفل عظيم من دمشق إلى مصر ، فأتى الخبر إلى ملك [ ص: 575 ] الفرنج ، فسار إليه وعارضه في البر ، وأخذ كل من فيه ، ولم يسلم منهم إلا القليل ، ومن سلم أخذه العرب .

وفيها ، في فصح النصارى ، ثار جماعة من الباطنية في حصن شيزر على حين غفلة من أهله في مائة رجل ، فملكوه ، وأخرجوا من كان فيه ، وأغلقوا بابه وصعدوا إلى القلعة فملكوها ، وكان أصحابها بنو منقذ قد نزلوا منها لمشاهدة عيد النصارى ، وكانوا قد أحسنوا ، إلى هؤلاء الذين أفسدوا ، كل الإحسان ، فبادر أهل المدينة الباشورة ، فأصعدهم النساء في الحبال من الطاقات ، وصاروا معهم ، وأدركهم الأمراء بنو منقذ ، أصحاب الحصن ، فصعدوا إليهم ، فكبروا عليهم وقاتلوهم ، فانخذل الباطنية ، وأخذهم السيف من كل جانب ، فلم يفلت منهم أحد ، وقتل من كان على رأيهم في البلد .

وفيها وصل إلى المهدية ثلاثة نفر غرباء ، فكتبوا إلى أميرها يحيى بن تميم يقولون : إنهم يعملون الكيمياء ، فأحضرهم عنده ، وأمرهم أن يعملوا شيئا يراه من صناعتهم ، فقالوا : نعمل النقرة ، فأحضر لهم ما طلبوا من آلة وغيرها ، وقعد معهم هو والشريف أبو الحسن ، وقائد جيشه واسمه إبراهيم ، وكانا يختصان به ، فلما رأى الكيماوية المكان خاليا من جمع ثاروا بهم ، فضرب أحدهم يحيى بن تميم على رأسه ، فوقعت السكين في عمامته فلم تصنع شيئا ، ورفسه يحيى فألقاه على ظهره ، ودخل يحيى بابا وأغلقه على نفسه ، فضرب الثاني الشريف فقتله ، وأخذ القائد إبراهيم السيف فقاتل الكيماوية ، ووقع الصوت ، فدخل أصحاب الأمير يحيى فقتلوا [ ص: 576 ] الكيماوية ، وكان زيهم زي أهل الأندلس ، فقتل جماعة من أهل البلد على مثل زيهم ، وقيل للأمير يحيى : إن هؤلاء رآهم بعض الناس عند المقدم بن خليفة ، واتفق أن الأمير أبا الفتوح بن تميم ، أخا يحيى ، وصل تلك الساعة إلى القصر في أصحابه وقد لبسوا السلاح ، فمنع من الدخول ، فثبت عند الأمير يحيى أن ذلك بوضع منهما ، فأحضر المقدم بن خليفة ، وأمر أولاد أخيه فقتلوه قصاصا ، لأنه قتل أباهم ، وأخرج الأمير أبا الفتوح وزوجته بلارة بنت القاسم بن تميم ، وهي ابنة عمه ، ووكل بهما في قصر زياد بين المهدية وسفاقس ، فبقي هناك إلى أن مات يحيى ، وملك بعده ابنه علي سنة تسع وخمسمائة ، فسير أبا الفتوح وزوجته بلارة إلى ديار مصر في البحر ، فوصلا إلى إسكندرية ، على ما نذكره إن شاء الله .

وفيها ، في المحرم ، قتل عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد بن محمد أبو المحاسن الروياني الطبري ، الفقيه الشافعي ، مولده سنة خمس عشرة وأربعمائة ، وكان حافظا للمذهب ، ويقول : لو احترقت كتب الشافعي لأمليتها من قلبي .

[ الوفيات ]

وفيها ، في جمادى الآخرة ، توفي الخطيب أبو زكرياء يحيى بن علي التبريزي ، الشيباني ، اللغوي ، صاحب التصانيف المشهورة ، وله شعر ليس بالجيد .

وفيها ، في رجب ، توفي السيد أبو هاشم زيد الحسيني ، العلوي ، رئيس همذان ، وكان نافذ الحكم ، ماضي الأمر ، وكانت مدة رئاسته لها سبعا وأربعين سنة وجده لأمه الصاحب أبو القاسم بن عباد ، وكان عظيم المال جدا ، فمن ذلك أنه أخذ منه السلطان محمد في دفعة واحدة سبع مائة ألف دينار لم يبع لأجلها ملكا ولا [ ص: 577 ] استدان دينارا ، وأقام بعد ذلك بالسلطان محمد ، عدة شهور ، في جميع ما يريده ، وكان قليل المعروف .

وفيها ، في ذي الحجة ، توفي أبو الفوارس الحسن بن علي الخازن ، الكاتب المشهور بجودة الخط ، وله شعر منه :


عنت الدنيا لطالبها واستراح الزاهد الفطن     عرف الدنيا ، فلم يرها
وسواه حظه الفتن     كل ملك نال زخرفها
حظه مما حوى كفن     يقتني مالا ، ويتركه
في كلا الحالين مفتتن     أملي كوني على ثقة
من لقاء الله مرتهن     أكره الدنيا ، وكيف بها
والذي تسخو به وسن     لم تدم قبلي على أحد
فلماذا الهم والحزن ؟



وقيل توفي سنة تسع وأربعمائة ، وقد ذكر هناك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث