الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

شهد ثلاثة نفر وامرأتان بالزنا

( قال ) وضرب التعزير أشد من ضرب الزنا وضرب الزاني أشد من ضرب شارب الخمر ، وحد القذف أخف من جميع ذلك ، أما ضرب التعزير أشد ; لأن المقصود به الزجر وقد دخله التخفيف من حيث نقصان العدد فلو قلنا بتخفيف الضرب أيضا فات ما هو المقصود ; لأن الألم ما لم يخلص إليه لا ينزجر ، ولهذا قلنا يجرد في التعزير عن ثيابه ويعذر في إزار واحد ، واختلفوا في مقدار التعزير ، ففي ظاهر المذهب لا يبلغ التعزير أربعين سوطا وقد روي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه يجوز أن يبلغ التعزير خمسة وسبعين سوطا ، وهو قول ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم { من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين } قال أبو يوسف رحمه الله تعالى المراد الحد الكامل وهو حد الأحرار وأدناه ثمانون جلدة ، فينقص التعزير من ذلك خمسة أسواط وقيل كان ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى يضرب بالخمسين مرة واحدة فنقص ضربة واحدة في التعزير وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى قال لا يزاد على تسعة وثلاثين سوطا ; لأن الأربعين في حق العبد في القذف والشرب حد فنقص التعزير عنه بضربة واحدة .

وهذا بيان أقصى التعزير ، فأما فيما دون ذلك الرأي إلى الإمام يعزره بقدر ما يعلم أنه ينزجر به ; لأن ذلك يختلف باختلاف أحوال الناس وباختلاف جرائمهم ، وروى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله تعالى قال : أقرب كل شيء من بابه فالتعزير في اللمس والقبلة بشهوة أقربه من الزنا ، والتعزير في الشبهة بغير الزنا أقربه من الشبهة بالزنا فاعتبر كل فرع بأصله فيما أقيم من التعزير ، ثم الضرب في الزنا أشد من الضرب في الشرب ; لأن حد الزنا يتلى في القرآن وقد سماه الله تعالى عذابا بقوله تعالى { وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } ، وقال تعالى { ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله } وحد الشرب لا يتلى في القرآن ، ولأن المقصود هو الزجر ودعاء الطبع إلى الزنا عند [ ص: 72 ] غلبة الشبق أكثر منه إلى الشرب ، ثم حد الشرب أشد من حد القذف ; لأن جريمة الشارب متيقن بها بخلاف جريمة القاذف فالقذف خبر متمثل بين الصدق والكذب وقد يعجز عن إقامة أربعة من الشهداء مع صدقه ، فلهذا كان حد القذف أخف من حد الشرب حتى يضرب حد القذف وعليه ثيابه ، إلا أنه ينزع عنه الحشو والفرو ليخلص الألم إلى بدنه وسائر الحدود تقام على الرجل في إزار ، إلا أنه روى ابن رستم عن محمد رحمهما الله تعالى أنه يقام عليه حد الشرب ، وعليه ثيابه أيضا ; لأن حد الشرب حد القذف كما قال علي رضي الله عنه إذا شرب هذى وإذا هذى افترى وحد المفترين في كتاب الله تعالى ثمانون جلدة ولأن حد الشرب كان بالجريد والنعال في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن اتفقت الصحابة على الجلد في عهد عمر رضي الله عنه ، ولهذا قال علي رضي الله عنه ما من أحد أقيم عليه حد فيموت فأحب أن أديه إلا حد الشرب فإنه بآرائنا ، ولضعفه قال : لا يجرد عن ثيابه ولكن في ظاهر الرواية لتحقق جريمته يجرد كما في حد الزنا

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث