الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

فصل في زكاة مال القراض

عامل القراض لا يملك حصته من الربح إلا بالقسمة على الأظهر ، وعلى الثاني : يملكها بالظهور . فإذا دفع إلى غيره نقدا قراضا وهما جميعا من أهل الزكاة ، فحال عليه الحول فإن قلنا : العامل لا يملك الربح بالظهور ، وجب على المالك زكاة رأس المال والربح جميعا ؛ لأن الجميع ملكه ، كذا قاله الجمهور . ورأى الإمام تخريج الوجوب في نصيب العامل على الخلاف في المغصوب والمحجور ، لتأكد حقه في حصته . وحول الربح مبني على حول الأصل ، إلا إذا رد إلى النضوض ، ففيه الخلاف السابق . ثم إن أخرج الزكاة من موضع آخر ، فذاك وإن أخرجها من هذا المال ، ففي حكم المخرج أوجه ، أصحها عند الأكثرين وهو المنصوص : يحسب من الربح كالمؤن التي تلزم المال وكما أن فطرة عبيد التجارة وأرش جناياتهم من الربح . والثاني : من رأس المال ، والثالث أنه لطائفة من المال ، يستردها المالك ؛ لأنه مصروف إلى حق لزمه . فعلى هذا يكون المخرج من الربح ورأس المال جميعا بالتقسيط . مثاله : رأس المال مائتان ، والربح [ ص: 281 ] مائة ، فثلثا المخرج من رأس المال ، وثلثه من الربح . قال في التهذيب : الوجهان مبنيان على تعلق الزكاة ، هل هو بالعين أو بالذمة ؟ إن قلنا بالعين فكالمؤن ، وإلا فهو استرداد . وقيل : إن قلنا بالعين فكالمؤن ، وإلا ففيه الوجهان . واستبعد إمام الحرمين هذا البناء . أما إذا قلنا : يملك حصته بالظهور ، فعلى المالك زكاة رأس المال ونصيبه من الربح . وهل على العامل زكاة نصيبه ؟ فيه طرق :

أحدها أنه على قولين كالمغصوب ؛ لأنه غير متمكن من كمال التصرف ، والثاني : القطع بالوجوب لتمكنه من التوصل بالمقاسمة ، والثالث : القطع بالمنع لعدم استقرار ملكه ؛ لاحتمال الخسران . والمذهب : الإيجاب ، سواء أثبتنا الخلاف أم لا ، فعلى هذا فابتداء حول حصته من حين الظهور على الأصح المنصوص . والثاني : من حين تقوم المال على المالك لأخذ الزكاة ، والثالث : من حين القسمة ؛ لأنه وقت الاستقرار ، والرابع : حوله حول رأس المال . ثم إذا تم حوله ، ونصيبه لا يبلغ نصابا ، لكن مجموع المال يبلغ نصابا ، فإن أثبتنا الخلطة في النقدين فعليه الزكاة وإلا فلا ، إلا أن يكون له من جنسه ما يتم به النصاب ، وهذا إذا لم نجعل ابتداء الحول من المقاسمة . فإن جعلناه منها سقط النظر إلى الخلطة . وإذا أوجبنا الزكاة على العامل لم يلزمه إخراجها قبل القسمة على المذهب ، فإذا اقتسما ، زكى ما مضى .

وحكي وجه أنه يلزمه الإخراج في الحال ؛ لتمكنه من القسمة . ثم إن أخرج الزكاة من موضع آخر ، فذاك ، فإن أراد إخراجها من مال القراض ، فهل يستبد به ، أم للمالك منعه ؟ وجهان ، أصحهما : يستبد ، قال الروياني : وهو المنصوص . والثاني : لا يستبد ، وللمالك منعه . أما إذا كان المالك من أهل وجوب الزكاة دون العامل وقلنا : الجميع له ما لم يقسم ، فعليه زكاة الجميع . وإن قلنا بالقول الآخر ، فعليه زكاة رأس المال ونصيب من الربح ، ولا يكمل نصيب المالك إذا لم يبلغ نصابا بنصيب العامل ؛ لأنه ليس من أهل الزكاة . أما إذا كان العامل من أهل الزكاة دون المالك ، [ ص: 282 ] فإن قلنا : الجميع للمالك قبل القسمة ، فلا زكاة . وإن قلنا : للعامل حصة من الربح ، ففي وجوب الزكاة عليه الخلاف السابق . فإذا أوجبناه ، فذاك إذا بلغت حصته نصابا ، أو كان له ما يتم به النصاب . ولا تثبت الخلطة ، ولا يجيء في اعتبار الحول هنا إلا الوجه الأول والثالث ، وليس له إخراج الزكاة من عين المال بلا خلاف ؛ لأن المالك لم يدخل في العقد على أن يخرج من المال زكاة ، هكذا ذكروه ، ولمانع أن يمنع ذلك ؛ لأنه عامل من عليه الزكاة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث