الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الأمر الثاني إذا اختلف المقومون ، بما يؤخذ ؟ فيه فروع منها : إذا شهد عدلان بسرقة ، فقوم أحدهما المسروق نصابا ، والآخر دونه ، فلا قطع ; للشبهة . [ ص: 355 ] وأما المال : فإن رضي بأقل القيمتين ، فذاك ، وله أن يحلف مع الذي شهد بالأكثر ويأخذه ، ولو شهد بأنه نصاب ، وقوم آخران بدونه ، فلا قطع . ويؤخذ في الغرم بالأقل ، وله مأخذان : أحدهما - وهو الأظهر - أن الأقل متيقن ، والزائد مشكوك فيه ، فلا يلزم بالشك .

والثاني - أن التي شهدت بالأقل ، ربما اطلعت على عيب .

ومنها : سئل ابن الصلاح عن ملك اليتيم ، احتيج إلى بيعه ، فقامت بينة بأن قيمته . مائة وخمسون ، فباعه القيم بذلك ، وحكم الحاكم بصحة البيع ، ثم قامت بينة أخرى بأن قيمته حينئذ : مائتان فهل ينقض الحكم ، ويحكم بفساد البيع ؟ .

فأجاب بعد التمهل أياما ، والاستخارة - أنه ينقض الحكم ; لأنه إنما حكم بناء على البينة السالمة عن المعارضة بالبينة التي مثلها ، وأرجح . وقد بان خلاف ذلك ، وتبين استناد ما يمنع الحكم إلى حالة الحكم ، فهو كما قطع به صاحب المهذب من أنه لو حكم للخارج على صاحب اليد ببينة ، فانتزعت العين منه ، ثم أتى صاحب اليد ببينة ، فإن الحكم ينقض لمثل العلة المذكورة ، وهذا بخلاف ما لو رجع الشاهد بعد الحكم ، فإنه لم يتبين استناد مانع إلى حالة الحكم ; لأن قول الشاهد متعارض وليس أحد قوليه بأولى من الآخر ا هـ .

ونازعه في ذلك السبكي في فتاويه ، ومنع النقض . قال : لأن التقويم حدس وتخمين ، ولا يتحقق فيه التعارض إلا إذا كان في وقت واحد . وإن سلمنا المعارضة فهي معارضة للبينة المتقدمة ، وليست راجحة عليها ، حتى تكون مثل مسألة المهذب . وكيف ينقض الحكم بغير مستند راجح ؟ ومعنا بينتان متعارضتان من غير ترجيح ، فهو كما لو وجد دليلان متعارضان في حكم ، ليس لنا أن ننقضه . ولا يقال : إن تعارض الدليلين مانع من الإقدام على الحكم ، فيكون موجبا لنقضه ; لأنا نقول : ليس كل ما منع الابتداء منع الدوام . وأيضا قد يكون ترجح عند الحاكم أحدهما ، فحكم به لرجحانه عنده ، وكما أنه لا يقدم على الحكم إلا بمرجح ، لا نقدم نحن على نقضه إلا بمرجح ، ولم يوجد .

وقوله : ( وقد بان خلافه ) : ممنوع ، لم يبن خلافه بل أكثر ما فيه - إن أشكل الأمر علينا ، ولا يلزم من إشكال الأمر علينا - أن نوجب النقض ، ثم نبه على أنه لو قامت بينتان متعارضتان ، واحتاج اليتيم إلى البيع الوجه أنه [ ص: 356 ] يجوز البيع بالأقل ما لم يوجد راغب بزيادة ، بعد إشهاده ، والقول قول القيم في أنه أشهده ; لأنه أمين .

قال : والقول قوله في أن ذلك ثمن المثل كما أن الوكيل وعامل القراض والبائع على المفلس إذا باعوا ليس لهم أن يبيعوا إلا بثمن المثل .

ولو ادعى عليهم : أنهم باعوا بأقل من ثمن المثل ، فالقول قولهم فيما يظهر لنا ، وإن لم نجده منقولا ; لأنهم منا . قال : ولا يرد على هذا قول الأصحاب : إن الصبي إذا بلغ وادعى على القيم والوصي بيع العقار بلا مصلحة ، فالقول قوله ; لأنا نقول : إنما يكلف القيم والوصي إقامة البينة على المصلحة التي هي مسوغة للبيع ، كما يكلف الوكيل إقامة البينة على الوكالة . وأما ثمن المثل : فهو من صفات البيع ، فإذا ثبت أن البيع جائز قبل قوله في صفته ودعوى صحته ، ولا يقبل قول من يدعي فساده ا هـ .

تنبيه :

هذه المسألة : يصلح إيرادها في قاعدة التقويم كما صنعنا ، وفي قاعدة " يغتفر في الدوام ، ما لا يغتفر في الابتداء " ، وفي قاعدة " تصديق مدعي الصحة " وفي فتاوى السبكي أيضا : أنه سئل عن رجل عليه دين مائتا درهم ، ورهن عليه كرما وحل الدين وهو غائب ، وأثبت صاحب الدين : الإقرار ، والرهن ، والقبض ، وغيبة الراهن المديون ، وندب الحاكم من قوم المرهون وثبت عنده أن قيمته مائتا درهم ، فأذن في تعويضه للمرتهن عن دينه ، ثم بعد مدة قامت بينة أن قيمته يوم التعويض ثلاثمائة ، وكان يوم التعويض يوم التقويم الأول .

فأجاب : يستمر التعويض ، ولا يبطل بقيام البينة الثانية مهما كان التقويم الأول محتملا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث