الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

الصنف الثاني : المسكين ، وهو الذي يملك ما يقع موقعا من كفايته ولا يكفيه ، بأن احتاج إلى عشرة وعنده سبعة أو ثمانية .

وفي معناه ، من يقدر على كسب ما يقع موقعا ، ولا يكفي ، وسواء كان ما يملكه من المال نصابا أو أقل ، أو أكثر ، ولا يعتبر في المسكين السؤال ، قطع به أكثر الأصحاب ، ومنهم من نقل عن القديم اعتباره .

وإذا عرفت الفقير والمسكين ، عرفت أن الفقير أشد حالا من المسكين . هذا هو الصحيح ، وعكسه أبو إسحاق المروزي .

فرع

المعتبر من قولنا ، يقع موقعا من كفايته وحاجته ، المطعم ، والمشرب ، والملبس ، والمسكن ، وسائر ما لا بد منه على ما يليق بالحال ، من غير إسراف ولا تقتير للشخص ، ولمن هو في نفقته .

[ ص: 312 ] فرع

سئل الغزالي - رحمه الله - عن القوي من أهل البيوتات ، الذين لم تجر عادتهم بالتكسب بالبدن ، هل له أخذ الزكاة ؟ قال : نعم ، وهذا جار على ما سبق ، أن المعتبر حرفة تليق به .

قلت : بقيت مسائل تتعلق بالفقير والمسكين .

إحداها : قال الغزالي في " الإحياء " : لو كان له كتب فقه ، لم تخرجه عن المسكنة ، ولا تلزمه زكاة الفطر .

وحكم كتبه حكم أثاث البيت ، لأنه محتاج إليها ، لكن ينبغي أن يحتاط في مهم الحاجة إلى الكتاب . فالكتاب يحتاج إليه لثلاثة أغراض ، من التعليم ، والتفرج بالمطالعة ، والاستفادة .

فالتفرج لا يعد حاجة ، كاقتناء كتب الشعر والتواريخ ونحوها مما لا ينفع في الآخرة ، ولا في الدنيا ، فهذا يباع في الكفارة وزكاة الفطر ، ويمنع اسم المسكنة .

وأما حاجة التعليم ، فإن كان للتكسب ، كالمؤدب ، والمدرس بأجرة ، فهذه آلته ، فلا تباع في الفطرة كآلة الخياط ، وإن كان يدرس للقيام بفرض الكفاية ، لم يبع ، ولا تسلبه اسم المسكنة ، لأنها حاجة مهمة .

وأما حاجة الاستفادة والتعليم من الكتاب ، كادخاره كتاب طب ليعالج به نفسه ، أو كتاب وعظ ليطالعه ويتعظ به ، فإن كان في البلد طبيب وواعظ ، فهو مستغن عن الكتاب . وإن لم يكن ، فهو محتاج .

ثم ربما لا يحتاج إلى مطالعته إلا بعد مدة ، فينبغي أن تضبط فيقال : ما لا يحتاج إليه في السنة ، فهو مستغن عنه . فتقدر حاجة أثاث البيت وثياب البدن بالسنة ، فلا تباع ثياب الشتاء في الصيف ، ولا ثياب الصيف في الشتاء ، والكتب بالثياب أشبه .

وقد يكون له من كتاب نسختان ، فلا حاجة له إلى إحداهما فإن قال : إحداهما أصح ، والأخرى أحسن ، قلنا : اكتف بالأصح ، وبع الأحسن ، وإن كان نسختان من علم واحد ، إحداهما مبسوطة ، والأخرى [ ص: 313 ] وجيزة ، فإن كان مقصوده الاستفادة ، فليكتف بالبسيط ، وإن كان التدريس احتاج إليهما . هذا آخر كلام الغزالي ، وهو حسن ، إلا قوله في كتاب الوعظ أنه يكتفي بالواعظ ، فليس بمختار ، لأنه ليس كل واحد ينتفع بالواعظ كانتفاعه في خلوته وعلى حسب إرادته .

الثانية : إذا كان له عقار ينقص دخله عن كفايته ، فهو فقير أو مسكين ، فيعطى من الزكاة تمامها ، ولا يكلف بيعه . ذكره الجرجاني في " التحرير " والشيخ نصر وآخرون . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث