الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة سبع عشرة وستمائة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر ملك التتر غزنة وبلاد الغور

لما فرغ التتر من خراسان وعادوا إلى ملكهم جهز جيشا كثيفا وسيره إلى غزنة وبها جلال الدين بن خوارزم شاه مالكا لها ، وقد اجتمع إليه من سلم من عسكر أبيه ، قيل : كانوا ستين ألفا ، فلما وصلوا إلى أعمال غزنة خرج إليهم المسلمون مع ابن خوارزم شاه إلى موضع يقال له بلق ، فالتقوا هناك واقتتلوا قتالا شديدا ، وبقوا كذلك ثلاثة أيام ثم أنزل الله نصره على المسلمين ، فانهزم التتر وقتلهم المسلمون كيف شاءوا ، ومن سلم منهم عاد إلى ملكهم بالطالقان ، فلما سمع أهل هراة بذلك ثاروا بالوالي الذي عندهم للتتر فقتلوه ، فسير إليهم جنكزخان عسكرا فملكوا البلد وخربوه كما ذكرناه .

فلما انهزم التتر أرسل جلال الدين رسولا إلى جنكزخان يقول له : في أي موضع تريد أن يكون الحرب حتى نأتي إليه ؟ فجهز جنكزخان عسكرا كثيرا ، أكثر من الأول مع بعض أولاده ، وسيره إليه ، فوصل إلى كابل ، فتوجه العسكر الإسلامي إليهم ، وتصافوا هناك ، وجرى بينهم قتال عظيم ، فانهزم الكفار ثانيا ، فقتل كثير منهم ، وغنم المسلمون ما معهم ، وكان عظيما ، وكان معهم من أسارى المسلمين خلق كثير ، فاستنقذوهم وخلصوهم . ثم إن المسلمين جرى بينهم فتنة لأجل الغنيمة ، وسبب ذلك أن أميرا منهم يقال له سيف الدين بغراق ، أصله من الأتراك الخلج ، كان شجاعا مقداما ، ذا رأي في الحرب ومكيدة ، واصطلى الحرب مع التتر بنفسه ، وقال لعسكر جلال الدين : تأخروا أنتم فقد ملئتم منهم رعبا وهو الذي كسر التتر على الحقيقة .

وكان من المسلمين أيضا أمير كبير يقال له ملك خان ، بينه وبين خوارزم شاه نسب ، وهو صاحب هراة ، فاختلف هذان الأميران في الغنيمة ، فاقتتلوا ، فقتل بينهم أخ لبغراق . فقال بغراق : أنا أهزم الكفار ويقتل أخي لأجل هذا السحت ، فغضب وفارق العسكر وسار إلى الهند ، فتبعه من العسكر ثلاثون ألفا كلهم يريدونه ، فاستعطفه جلال الدين بكل طريق ، وسار بنفسه إليه ، وذكره الجهاد ، وخوفه من الله تعالى ، وبكى [ ص: 363 ] بين يديه ، فلم يرجع ، وسار مفارقا ، فانكسر لذلك المسلمون وضعفوا .

فبينما هم كذلك إذ ورد الخبر أن جنكزخان قد وصل في جموعه وجيوشه ، فلما رأى جلال الدين ضعف المسلمين لأجل من فارقهم من العسكر ، ولم يقدر على المقام ، سار نحو بلاد الهند ، فوصل إلى ماء السند ، وهو نهر كبير ، فلم يجد من السفن ما يعبر فيه .

وكان جنكزخان يقص أثره مسرعا ، فلم يتمكن جلال الدين من العبور ، حتى أدركه جنكزخان في التتر ، فاضطر المسلمون حينئذ إلى القتال والصبر لتعذر العبور عليهم ، وكانوا في ذلك كالأشقر إن تأخر يقتل وإن تقدم يعقر ، فتصافوا واقتتلوا أشد قتال ، اعترفوا كلهم أن كل ما مضى من الحروب كان لعبا بالنسبة إلى هذا القتال ، فبقوا كذلك ثلاثة أيام ، فقتل الأمير ملك خان المقدم ذكره وخلق كثير ، وكان القتل في الكفار أكثر ، والجراح أعظم ، فرجع الكفار عنهم ، فأبعدوا ، ونزلوا على بعد ، فلما رأى المسلمون أنهم لا مدد لهم ، وقد ازدادوا ضعفا بمن قتل منهم وجرح ، ولم يعلموا بما أصاب الكفار من ذلك ، أرسلوا يطلبون السفن ، فوصلت ، وعبر المسلمون ليقضي الله أمرا كان مفعولا .

فلما كان الغد عاد الكفار إلى غزنة ، وقد قويت نفوسهم بعبور المسلمين الماء إلى جهة الهند وبعدهم ، فلما وصلوا إليها ملكوها لوقتها لخلوها من العساكر والمحامي ، فقتلوا أهلها ، ونهبوا الأموال ، وسبوا الحريم ، ولم يبق أحد ، وخربوها وأحرقوها ، وفعلوا بسوادها كذلك ، ونهبوا وقتلوا وأحرقوا ، فأصبحت تلك الأعمال جميعها خالية من الأنيس ، خاوية على عروشها كأن لم تغن بالأمس

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث