الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الحدث في الصلاة

باب الحدث في الصلاة ( مصل سبقه الحدث في الصلاة من بول أو غائط أو ريح أو رعاف بغير قصده انصرف فتوضأ وبنى على صلاته ما لم يتكلم استحسانا ، وإن تكلم واستقبل فهو أفضل ) وفي القياس عليه استقبال الصلاة بعد الوضوء وهو قول الشافعي - رحمه الله تعالى - وكان مالك - رحمه الله تعالى - يقول : يبني ثم رجع عنه ، فعابه محمد - رحمه الله تعالى - في كتاب الحجج برجوعه من الآثار إلى القياس . وجه القياس أن الطهارة شرط بقاء الصلاة كما هو شرط ابتدائها فكما لا يتحقق شروعه في الصلاة بدون هذا الشرط فكذلك بقاؤها ، ولأن الحدث مناف للصلاة قال صلى الله عليه وسلم : { لا صلاة إلا بطهور } ولا بقاء للعبادة مع وجود ما ينافيها . وجه قولنا حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من قاء أو رعف أو أمذي في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على ما مضى من صلاته ما لم يتكلم } ، وإن أبا بكر رضي الله تعالى عنه سبقه الحدث في الصلاة فتوضأ وبنى وعمر رضي الله تعالى عنه سبقه الحدث فاستخلف وتوضأ وبنى على صلاته وعلي رضي الله تعالى عنه كان يصلي خلف عثمان فرعف فانصرف وتوضأ وبنى على صلاته ، وهو مروي عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، والقياس يترك بالآثار . ثم الذي سبقه الحدث إما أن يكون منفردا وإما أن يكون مقتديا أو إماما ، فأما المنفرد يذهب فيتوضأ ثم يتخير بين إتمام الصلاة في بيته وبين الرجوع إلى مصلاه ليكون مؤديا جميع الصلاة في مكان واحد وهو أفضل ، وإن أتم في بيته فلم يوجد منه إلا ترك المشي في الصلاة وذلك لا يضره ، وأما المقتدي إذا فرغ من الوضوء ، فإن لم يفرغ إمامه من الصلاة فعليه أن يعود ، ولو أتم بقية صلاته في بيته لا يجزئه لأن بينه وبين إمامه ما يمنع صحة الاقتداء ، وإن كان قد فرغ إمامه يخير هو كما بينا ، وإن كان إماما تأخر وقدم رجلا ممن خلفه يصلي بالقوم والشافعي - رحمه الله تعالى - في هذا يوافقنا ، فإن على أصله بحدث الإمام لا تفسد صلاة القوم ; لأنه لو ظهر أنه كان محدثا جاز صلاة القوم ، فيستخلف لهم ثم يتوضأ ويستقبل ، وعندنا يستخلف لأنه عجز [ ص: 170 ] عن إتمام ما ضمن لهم الوفاء به فيستعين بمن قدر عليه ، والدليل على جواز هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر أبا بكر رضي الله تعالى عنه أن يصلي بالناس وجد في نفسه خفة فخرج يهادى بين اثنين بعد ما افتتح أبو بكر الصلاة فلما سمع أبو بكر حس رسول الله صلى الله عليه وسلم تأخر وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما تأخر لأنه عجز عن المضي لقوله تعالى : { لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } فصار هذا أصلا في حق كل إمام عجز عن الإتمام أنه يتأخر ويستخلف ثم يتوضأ ويبني على صلاته ما لم يتكلم ، فإن تكلم واستقبل فهو أفضل ليكون أبعد عن شبهة الاختلاف وأقرب إلى الاحتياط ، فإن كان حين يرجع إلى أهله بال واستمشى لم يبن على صلاته لأن هذا حدث عمد فهو بمنزلة الكلام أو فوقه في إفساد الصلاة ، وجواز البناء كان بالآثار في الحدث الذي يسبقه فلا يقاس من يتعمد الحدث ; لأن فيما يسبقه بلوى وضرورة بخلاف ما يتعمده ، ولهذا لو ابتلي بالجنابة في خلال الصلاة لم يبن بعد الاغتسال لأنه مما لا تعم به البلوى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث