الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المقصد التاسع طواف الإفاضة

جزء التالي صفحة
السابق

المقصد التاسع : طواف الإفاضة ، وهو الطواف الذي هو ركن في الحج ، وفيه تفريعات أربعة ، الأول في ( الكتاب ) : تعجيل طواف الإفاضة يوم النحر أفضل ، وإن أخره حتى مضت أيام التشريق ، وذهب من منى إلى مكة فلا بأس ، خلافا ل ( ش ) : إن أخره مع السعي بعد منى حتى تطاول طاف وسعى وأهدى ، وله تأخير السعي إلى وقت تأخير الإفاضة ، وكره مالك تسمية طواف الزيارة ، وقولهم زرنا قبر النبي - عليه السلام - تعظيما له عليه السلام ; لأن العادة أن الزائر متفضل على المزور ، ولا يحسن أن يقال : زرنا السلطان ، لما فيه من إبهام المكافأة والمماثلة .

وأصل فرضيته حديث جابر المتقدم ، قال سند : أما أول وقته فلا يجوز [ ص: 271 ] قبل يوم عرفة إجماعا . وتحديد أول الوقت مبني على تحديد أول وقت الرمي ، هل هو طلوع الشمس يوم النحر أو طلوع الفجر أو نصف الليل ؟ وأما تحديد آخر وقته فالمختار عند أصحابنا : لتمام الشهر ، وعليه الدم بدخول المحرم ، وقال ( ح ) : آخره اليوم الثاني ، فبدخول الثالث من أيام التشريق يجب الدم ، وقال ( ش ) وابن حنبل : ليس لآخر وقته حد ; لأنه لو كان له حد لما صح فعله بعده كالرمي والوقوف . لنا : قوله تعالى : ( الحج أشهر معلومات ) [ البقرة : 197 ] فحصره في الأشهر ، والفرق بينه وبين الوقوف : أنه إنما يأتي بعد التحليل ، وحصول معظم الحج بالوقوف وهو ركن ، فلو تعذر فعله لبطل الحج بعد حصول معظمه ، وكره مالك أن ينتقل بالطواف بعد الإفاضة ; لأنه ليس من عمل الناس ، وإن سمع الإقامة فله أن يقف حتى يصلي ، قال مالك : وإن أفاض يوم الجمعة أحب إلي الرجوع إلى منى ، ولا يقيم لصلاة الجمعة ، وقال ابن حبيب : لمن أفاض أن ينتقل بالطواف ، وفي ( الجواهر ) : لو قدم الإفاضة على جمرة العقبة أجزأته الإفاضة عند مالك وابن القاسم وعليه الهدي ، وقال مالك : لا يجزئه واستحب أصبغ الإعادة .

الثاني : في ( الكتاب ) : إذا حاضت قبل الإفاضة أو نفست لا تبرح حتى تفيض ويحبس عليها كريها أقصى جلوس النساء في الحيض والاستطهار أو النفاس من غير سقم ، لما في الموطأ أنه عليه السلام ( ذكر صفية بنت حيي فقيل له : إنها حاضت فقال عليه السلام : أحابستنا هي ؟ فقالوا يا رسول الله : إنها قد طافت ، فقال عليه السلام : فلا إذا ) وفي ( الجواهر ) : قال أشهب : يحبس الكري خمسة عشر يوما . روى غيره ذلك مع الاستطهار بيوم أو يومين ، وقال ابن اللباد : هذا في زمن الأمن ، أما في هذا الوقت فيفسخ الكراء بينهما ، وإذا قلنا برواية ابن [ ص: 272 ] القاسم ، فيتجاوز الدم مدة الحبس ، فهل تطوف أو يفسخ الكراء ؟ قولان . قال سند : هذا إن كان الكري يمكنه الانفراد بالسير ، أما أهل الآفاق البعيدة الذين لا يروحون إلا حمية ، فأمره محمول على زمن الحج عادة ، ولا يحبس عليها بعد ذلك ; لأنها لو صرحت له بذلك عند العقد لأباه بخلاف الأول وهي كالمحصورة بالعدو ، ولا يلزمها جميع الأجرة ، ويحتمل أن يقال عليها ; لأن الامتناع منها ، وروى سحنون أنها تطوف ، للخلاف في اشتراط الطهارة في الطواف ؛ ولأنه يستباح للضرورة كقراءة القرآن للحائض لضرورة النسيان . وههنا أعظم قال مالك : وتحبس القافلة إن كانت إقامتها اليومين ، قال مالك : فلو شرطنا عليه عمرة في الحرم فحاضت قبلها لا يحبس ، ولا يوضع من الكراء شيء ; لأن المقصود الحج ، وفرق مالك مرة بين الحائض والنفساء إذا لم يعلم به الكري فقال : الحيض شأن النساء فهو دخل عليه بخلاف النفاس ، وحيث قلنا : تحبسه ، فلا يزاد شيئا .

الثالث : في ( الكتاب ) : إذا أحرم مكي من مكة بالحج أجزأه الطواف مع السعي بعد الوقوف ، ولو عجلهما قبله لم يجزئه ، وأعادها بعده فإن لم يعد ورجع إلى بلده أجزأه وأهدى ، وفي ( الجلاب ) : إذا أخر غير المراهق الطواف والسعي عامدا حتى خرج إلى منى فليطف ، وليسع إذا رجع ويهدي ، فإن تركها ناسيا فليسع من طواف الإفاضة ولا دم عليه عند ابن القاسم ، والقياس - عندي - في الدم بخلاف المراهق ، وقاله الأبهري ، ولا بأس بتأخير الإفاضة إلى آخر أيام التشريق ، وتعجيلها أفضل ، فإن أخرها بعد ذلك إلى المحرم فعليه دم ، ومن نسي الإفاضة وقد طاف للوداع أجزأه إذا بعد ، إما للمشقة ، وإما لأن أركان الحج لا تفتقر إلى النية فيما يعين الطواف الفرض من غيره ، قال اللخمي : وقال ابن عبد الحكم : لا يجزئه ، قال سند : يرجع للإفاضة إلا أن يكون طاف تطوعا ، ولم يعين الوداع .

نظائر : يجزئ غير الواجب عن الواجب في المذهب في سبع مسائل على [ ص: 273 ] الخلاف فيها : من جدد وضوءه ثم تبين حدثه أو اغتسل للجمعة ناسيا للجنابة ، أو نسي لمعة من الغسلة الأولى في وضوئه ثم غسل الثانية بنية السنة ، أو من سلم من اثنتين ثم أعقبهما بركعتين نافلة ، أو اعتقد السلام ولم يكن سلم ، ثم كمل بنية النافلة ، أو نسي سجدة من الرابعة وقام إلى خامسة ، أو نسي طواف الإفاضة وطاف للوداع .

الرابع : في ( الكتاب ) : يجزئ القارن طواف واحد ، وقاله ( ش ) وابن حنبل ; لقوله عليه السلام في الترمذي : ( من أحرم بحج أو عمرة أجزأه طواف واحد ) . وقال ( ح ) : عليه طوافان وسعيان ، لما يروى ( أن عليا - رضي الله عنه - حج قارنا وطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين ، ثم قال : هكذا رأيته عليه السلام فعل ) وجوابه : أنه ضعيف سلمنا صحته ، لكن القول مقدم على الفعل ، لما تقرر في علم الأصول .

ومن دخل مكة مراهقا يخشى فوات الحج وهو مفرد أو قارن : فليدع الطواف بعد الوقوف ولا دم عليه ; لأن عائشة - رضي الله عنها - أخرته للحيض ، فإن كان غير مراهق فعليه دم دخل مكة أو الحرم أم لا ، وقال أشهب في ( الموازية ) : لا دم عليه ; لأن حكمه يتعلق بمكة لا بالحج كطواف الوداع ، والمذهب يرى : أنه متعلق بالإحرام ، والمفرد إذا طاف الطواف الواجب ، وسعى على غير وضوء ثم طاف للإفاضة بعد الوقوف على وضوء ، ولم يسع حتى أصاب النساء والصيد والطيب والثياب ، فليرجع لابسا للثياب حلالا إلا من النساء والصيد والطيب ، فيعتمر ويسعى ثم يعتمر ويهدي ، وليس عليه أن يحلق ; لأنه حلق بمنى ولا دم عليه في الثياب ; لأن جمرة العقبة أحلتها له بخلاف المعتمر لا تحل له الثياب حتى يفرغ من السعي ، وعليه لكل صيد أصابه الجزاء ، ولا دم لتأخير الطواف الذي طافه على [ ص: 274 ] غير وضوء ; لأنه لم يتعمد ذلك فهو معذور كالمراهق ، والعمرة مع الهدي تجزئه لذلك كله ، وأكثر الناس يقولون : لا عمرة عليه ، قال سند : قال أشهب : إذا أصاب النساء عليه هديان : للفساد والتفريق ، ويختلف في وجوب الدم عليه لطوافه الذي طافه على غير وضوء ، كما اختلف فيمن تركه ناسيا ، وأما لو طاف المعتمر بغير وضوء أو في طواف الإفاضة : ففي ( الكتاب ) : إن ذكر بعد تحلله بمكة أو بلده فليرجع حراما ، فيطوف ، وإن حلق افتدى ، وعليه لكل صيد جزاء ; لأنه باق على إحرامه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث