الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل : فإذا تقرر بما روينا أن الصلوات المفروضات خمس في اليوم والليلة ، وهن موقتات بقوله تعالى : إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا [ النساء : 103 ] ، ثم ورد كتاب الله تعالى بذكر أوقاتها على الإطلاق ، ومن غير تحديد ، ثم جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بوصف أوقاتها على التحديد ، فأما ما دل عليه كتاب الله من ذكر أوقاتها فخمس آيات : إحداهن قوله تعالى : فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون [ الروم : 17 ] . فعبر عن الصلاة بالتسبيح لما يتضمنها منه فقال تعالى : فسبحان الله أي : صلوا لله ، قال الله تعالى : فلولا أنه كان من المسبحين [ الصافات : 143 ] أي : من المصلين . وقيل : المستغفرين

وقال الأعشى في النبي صلى الله عليه وسلم :


وسبح على حين العشيات والضحى ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا

وقوله : حين تمسون يريد به المغرب ، والعشاء وحين تصبحون يريد الصبح ، وعشيا - يعني - صلاة العصر ، وحين تظهرون - يعني - صلاة الظهر فدلت هذه الآية على أوقات الصلوات الخمس

والآية الثانية : قوله تعالى : وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وأدبار السجود [ ق : 40 ] ، قوله : وسبح أي : وصل قبل طلوع الشمس - يعني - صلاة الصبح وقبل الغروب الظهر والعصر ومن الليل فسبحه - يعني - صلاة المغرب والعشاء الآخرة " وفي أدبار السجود " تأويلان :

أحدهما : أنهما ركعتان بعد صلاة المغرب ، وهذا قول مجاهد

[ ص: 6 ] والثاني : أنها النوافل في أدبار المكتوبات ، وهو قول عبد الرحمن بن زيد

والآية الثالثة : قوله تعالى : وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل [ هود : 114 ]

أما الطرف الأول من النهار ، فالمراد به : صلاة الصبح

وأما الطرف الثاني : فالمراد به على ما حكاه مجاهد : صلاة الظهر والعصر وزلفا من الليل روى الحسن البصري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها صلاة المغرب وعشاء الآخرة

ومعنى الزلف من الليل : الساعات التي يقرب بعضها من بعض ، كما قال العجاج :

طي الليالي زلفا وزلفا

الآية الرابعة قوله تعالى : أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا [ الإسراء : 78 ] ، أما دلوك الشمس فهو ميلها وانتقالها ، وفيه تأويلان : أحدهما : إن المراد به غروبها ، وأنه عنى صلاة المغرب ، وهذا قول ابن مسعود ، وابن زيد ، استشهادا بقول الشاعر :

هذا مقام قدمي رباح     غدوة حتى دلكت براح

يعني : حتى غربت الشمس . والبراح : اسم للشمس

والتأويل الثاني : أن دلوك الشمس زوالها

وهو قول ابن عباس ، وأبي وجزة ، والحسن ، وقتادة ، ومجاهد ، وإليه ذهب الشافعي لرواية أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبي مسعود عقبة بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر

[ ص: 7 ] وأما غسق الليل ففيه تأويلان :

أحدهما : اجتماع الليل وظلمته . وهو قول ابن عباس

والثاني : إقباله ودبره . وهو قول ابن مسعود ، فالمراد به على التأويل الأول صلاة العشاء الآخرة ، وعلى التأويل الثاني صلاة المغرب

قلنا : قوله تعالى : وقرآن الفجر [ الإسراء : 178 ] . فيريد به صلاة الفجر ، وسماها ( قرآن الفجر ) لما يتضمنها من القراءة ، إن قرآن الفجر كان مشهودا . فروى أبو هريرة عن النبي أنه قال : يشهد ملائكة الليل وملائكة النهار . وهذا دليل ، وزعم أن صلاة الصبح ليست من صلاة الليل ولا من صلاة النهار

وأما الآية الخامسة : قوله تعالى : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين [ البقرة : 238 ] ، فهذه الآية وإن لم تدل على مواقيت الصلوات كلها ، ففيها حث على المحافظة عليها بأدائها في أوقاتها ، وذكر الصلاة الوسطى التي هي أوكد الصلوات ، واختلف الناس فيها على خمسة مذاهب :

أحدها : أن الصلاة الوسطى هي صلاة الصبح

وهذا قول ابن عباس ، وجابر ، وأبي موسى الأشعري لقوله : وقوموا لله قانتين . وأن القنوت في الصبح : ولأنها صلاة لا تجمع إلى غيرها في سفر ولا مطر لتأكدها عن غيرها من الصلوات : ولأنه يجتمع فيها ظلمة الليل وضوء النهار ، وتشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار

والمذهب الثاني : أنها صلاة الظهر ، وهو قول زيد بن ثابت ، وعبد الله بن عمر ، قال أبو عمرو : هي التي توجه منها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القبلة ، وروى عروة عن زيد بن ثابت قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة ، ولم تكن صلاة أشد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها . قال : فنزلت : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى . وقال : إن قبلها صلاة وبعدها صلاة

والمذهب الثالث : أنها صلاة العصر ، وهو قول علي ، وابن مسعود ، وأبي هريرة ، وأبي سعيد الخدري ، وأبي أيوب ، وعائشة ، وأم سلمة ، وحفصة ، وأم حبيبة ، وجمهور التابعين لرواية عبيدة السلماني عن علي قال : لم يصل رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر يوم الخندق [ ص: 8 ] إلا بعد ما غربت الشمس . قال : ما لهم ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس وروى ابن رافع عن حفصة ، أنها قالت لكاتب مصحفها : إذا بلغت إلى مواقيت الصلاة ، فأخبرني . فلما أخبرها ، قالت : اكتب ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى " وهي صلاة العصر وروى أبو صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة الوسطى صلاة العصر والمذهب الرابع : أنها صلاة المغرب . وهو قول قبيصة : لأنها وسط العدد ، ليست بأقلها ولا بأكثرها ، ولا تقصر في السفر ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها إلا وقتا واحدا لا تتقدم إليه ولا تتأخر عنه

والمذهب الخامس : أنها إحدى الصلوات الخمس ، ولا تعرف بعينها . وهو قول نافع ، وسعيد بن المسيب ، والربيع بن خيثم ، لأن إبهامها وترك تعيينها أحب على المبادرة لجميعها ، وأبعث على المحافظة على سائرها ، فكان أولى من التعيين المفضي إلى إهمال ما سواها ، فهذه مذاهب الناس في الصلاة الوسطى على اختلافها ، فأما مذهب الشافعي ، فالذي يصح عليه أنها صلاة الصبح استدلالا ، لكن مهما قلت قولا فخالفت فيه خبرا ، فأنا أول راجع عنه ، وقد وردت الأخبار نقلا صحيحا : بأنها صلاة العصر ، فصار مذهبه على الأصل الذي مهده ، أنها صلاة العصر دون ما نص عليه من الصبح ، ولا يكون ذلك على قولين كما وهم بعض أصحابنا ، فهذا ما ورد في كتاب الله تعالى وذكر مواقيت الصلاة ، فأما ما جاءت به السنة من تحديد أوقاتها أولا وآخرا واختيارا وجوازا

وروى الشافعي عن عمرو بن أبي سلمة ، عن عبد العزيز بن محمد ، عن [ ص: 9 ] عبد الرحمن بن الحارث ، عن حكيم بن حكيم ، عن نافع ، عن جبر ، عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أمني جبريل عند باب الكعبة مرتين : فصلى الظهر حين كان الظل مثل الشراك ، ثم صلى العصر حين صار ظل كل شيء بقدر ظله ، ثم صلى المغرب حين أفطر الصائم ، ثم صلى العشاء الآخرة حين غاب الشفق ، ثم صلى الصبح حين حرم الطعام والشراب على الصائم ، ثم صلى المرة الآخرة الظهر حين كان ظل كل شيء قدر ظله دون العصر بالأمس الأول لم يؤخرها ، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلثا الليل ، ثم صلى الصبح حين أسفر ، ثم التفت فقال : يا محمد ، هذا وقت الأنبياء من قبلك والوقت فيما بين هذين الوقتين

فدلت هذه السنة على ما جاءت به من تحديد الأوقات

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث