الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 386 ] باب .

صوم التطوع .

من شرع في صوم تطوع ، أو صلاة تطوع ، لم يلزمه الإتمام ، لكن يستحب . فلو خرج منهما ، فلا يجب القضاء ، لكن يستحب ، ثم إن خرج لعذر ، لم يكره ، وإلا كره على الأصح .

ومن العذر ، أن يعز على من ضيفه امتناعه من الأكل . ولو شرع في صوم القضاء الواجب ، فإن كان على الفور ، لم يجز الخروج منه ، وإلا فوجهان .

أحدهما : يجوز ، قاله القفال ، وقطع به الغزالي ، وصاحب " التهذيب " وطائفة . وأصحهما : لا يجوز ، وهو المنصوص في " الأم " وبه قطع الروياني في " الحلية " وهو مقتضى كلام الأكثرين ، لأنه صار متلبسا بالفرض ولا عذر ، فلزمه إتمامه ، كما لو شرع في الصلاة أول الوقت .

وأما صوم الكفارة ، فما لزم منه بسبب محرم ، فهو كالقضاء الذي على الفور . وما لزم بسبب غير محرم ، كقتل الخطأ ، فهو كالقضاء الذي على التراخي . وكذا النذر المطلق .

وهذا كله مبني على المذهب ، وهو انقسام القضاء إلى واجب على الفور ، وعلى التراخي . فالأول : ما تعدى فيه بالإفطار ، فيحرم تأخير قضائه . قال في " التهذيب " : حتى يحرم عليه التأخير بعذر السفر . وأما الثاني : فما لم يتعد به ، كالفطر بالحيض والسفر والمرض ، فقضاؤه على التراخي ما لم يحضر رمضان السنة المقبلة .

وقال بعض أصحابنا العراقيين : القضاء على التراخي في المتعدي وغيره .

[ ص: 387 ] فصل

صوم التطوع ، منه ما يتكرر بتكرر السنين ، ومنه ما يتكرر بتكرر الشهور ، ومنه ما يتكرر بتكرر الأسبوع . فمن الأول ، يوم عرفة ، فيستحب صومه لغير الحجيج ، وينبغي للحجيج فطره . وأطلق كثيرون كراهة صومه لهم .

فإن كان شخص لا يضعف بالصوم عن الدعاء وأعمال الحج ، ففي " التتمة " أن الأولى له الصوم . وقال غيره : الأولى أن لا يصوم بحال .

قلت : قال البغوي وغيره : يوم عرفة أفضل أيام السنة . وسيأتي إن شاء الله تعالى في كتاب " الطلاق " التصريح بذلك مع غيره ، في تعليق الطلاق على أفضل الأيام . والله أعلم .

ومنه يوم عاشوراء ، وهو عاشر المحرم ، ويستحب أن يصوم معه تاسوعاء ، وهو التاسع . وفيه معنيان . أحدهما : الاحتياط حذرا من الغلط في العاشر .

والثاني : مخالفة اليهود فإنهم يصومون العاشر فقط . فعلى هذا ، لو لم يصم التاسع معه ، استحب أن يصوم الحادي عشر .

ومنه ستة أيام من شوال ، والأفضل أن يصومها متتابعة متصلة بالعيد .

ومن الثاني : أيام البيض ، وهي : الثالث عشر ، والرابع عشر ، والخامس عشر .

قلت : هذا هو المعروف فيها . ولنا وجه غريب حكاه الصيمري ، والماوردي ، والبغوي ، وصاحب " البيان " : أن الثاني عشر بدل الخامس عشر ، فالاحتياط صومهما . والله أعلم .

ومن الثالث : يوم الاثنين والخميس . ويكره إفراد الجمعة بالصوم ، وإفراد السبت . [ ص: 388 ] فرع

أطلق صاحب " التهذيب " في آخرين أن صوم الدهر مكروه .

وقال الغزالي : هو مسنون ، وقال الأكثرون : إن خاف منه ضررا ، أو فوت به حقا ، كره . وإلا ، فلا . والمراد : إذا أفطر أيام العيد والتشريق . ولو نذر صوم الدهر ، لزم وكانت الأعياد و [ أيام ] التشريق وشهر رمضان وقضاؤه مستثناة .

فإن فرض فوات بعذر أو بغيره ، فهل تجب الفدية لما أخل به من النذر بسبب القضاء ؟ قال أبو القاسم الكرخي : فيه وجهان ، وقطع به في " التهذيب " : بأنه لا فدية .

ولو نذر صوما آخر بعد هذا النذر ، لم ينعقد . ولو لزمه صوم كفارة ، صام عنها وفدى عن النذر . ولو أفطر يوما من الدهر ، لم يمكن قضاؤه ، ولا فدية إن كان بعذر ، وإلا فتجب الفدية . ولو نذرت المرأة صوم الدهر ، فللزوج منعها ، ولا قضاء ولا فدية ، وإن أذن لها ، أو مات فلم تصم ، لزمها الفدية .

قلت : ومن المسنون ، صوم عشر ذي الحجة ، غير العيد ، والصوم من آخر كل شهر . وأفضل الأشهر للصوم بعد رمضان ، الأشهر الحرم ، ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب . وأفضلها : المحرم ، ويلي المحرم في الفضيلة ، شعبان .

وقال صاحب " البحر " : رجب أفضل من المحرم ، وليس كما قال . قال أصحابنا : لا يجوز للمرأة صوم تطوع وزوجها حاضر ، إلا بإذنه . وممن صرح به : صاحبا " المهذب " و " التهذيب " . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث