الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

الحكم الثاني : التقليد والإشعار ، وهما من سنة الهدي ، لما في مسلم أنه عليه السلام أشعر بدنة في الجانب الأيسر ثم سلت الدم عنها ، وفي ( الموطأ ) أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - كان إذا أهدى هديا من المدينة قلده وأشعره بذي الحليفة يقلده قبل أن يشعره ، وذلك في مكان واحد وهو متوجه إلى القبلة يقلده بنعلين ، ويشعره من الشق الأيسر ، ثم يساق ، وكان إذا طعن في سنام هديه وهو يشعره ، قال : بسم الله والله أكبر ، وكان يجلل بدنه بالقباطي والأنماط والحلل ، ثم يبعث بها إلى مكة فيكسوها أياما ، وأما التقليد فلقوله تعالى : ( [ ص: 356 ] ولا الهدي ولا القلائد ) [ المائدة 2 ] ، قالت عائشة رضي الله عنها : أنا فتلت قلائد هدي رسول الله عليه السلام ، وقلدها هو بيده ، وقال ( ح ) : الإشعار بدعة لنهيه عليه السلام عن تعذيب الحيوان وعن المثلة ، وجوابه : أن ما ذكرناه خاص فيقدم على عموم ما ذكره سلمنا له التساوي في العموم ، لكن حديث مسلم السابق عام الوداع ، وحديث المثلة عام أحد فيكون منسوخا ، وينتقض عليه بالكي والوسم في أنعام الزكاة والجزية لتميزها عن غيرها ، والغرض ههنا أيضا : أن لا تختلط بغيرها ، وأن يتوقاها اللص ، وأن ينحرها من وجدها في محلها فإن التقليد قد يقع فلا يكفي ثم هذه الشعيرة أظهر في الإسلام من احتياجه لسند ، وفي ( الكتاب ) : من أراد الإحرام ومعه هدي فليقلده ثم يشعره ثم يجلله إن شاء وذلك واسع ، ثم يدخل المسجد فيركع ويحرم ، ولا ينبغي التقليد ولا الإشعار إلا عند الإحرام إلا أن لا يريد الحج فيفعل ذلك بذي الحليفة ، وإن لم يكن معه هدي ، وأراد الهدي فيما يستقبل فله أن يحرم ويؤخر الهدي .

ويقلد الهدي كله ويشعر إلا الغنم لا تقلد ولا تشعر ، وتقلد البقر ولا تشعر إلا أن تكون لها أسنمة فتشعر ، والإشعار في الجانب الأيسر من سنامها عرضا ، وقال ابن القاسم : ولا تقلد بالأوتار ، ولا تقلد فدية الأذى ; لأنها نسك وليست هديا ، ومن شاء جعلها هديا ويجزئ الهدي كله بدون التقليد والإشعار .

قال سند : قال مالك : يستحب التقليد بما تنبت الأرض ، ويجزئ النعل الواحدة [ ص: 357 ] لحصول التمييز ، قال ابن المواز : الإشعار في أي الشقين شاء ، وقال ( ش ) وابن حنبل : في الأيمن ، واختاره عبد الوهاب في ( المعونة ) لحديث ابن عباس ، واختار مالك فعل ابن عمر فإنه فعل الحرمين ، ويحمل الحديث على بيان الجواز فإن لم يكن للبعير سنام ، قال مالك : لا يشعر كالبقر ، قال ابن حبيب و ( ش ) : يشعر البقر ، لنا : أنه إنما ورد في السنام فلا يشرع في غيره كالعتق وكالغنم ، قال ابن حبيب : الإشعار طولا ورواه عن ابن عمر رضي الله عنهما ، ويجوز أن يكون اللفظ مختلفا ، والمعنى متفقا هذا يريد عرض السنام ، وهذا يريد طول البعير ، قال مالك : ولا تقلد المرأة ولا تشعر إلا أن لا تجد من يلي ذلك كالذبح ، قال مالك : والبياض في الجلال أحب إلينا ، وشق الجلال أحب إلينا على الأسنمة لتثبت ، إن كانت قليلة الثمن كالدرهمين ، وينزع العالي منها ليلا يخرقه الشوك وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - لا يجلل حتى يغدو من منى ; لأن جلاله كانت غالية ، قال ابن حبيب و ( ش ) وابن حنبل : تقلد الغنم ; لما في الصحيحين أنه عليه السلام أهدى غنما مقلدة ، وجوابه : أنه محمول على قلائد أطواق كانت حلقية في أعناقها . لنا : أنها لا تجلب من مكان بعيد فلا تحتاج إلى ذلك ، وفي ( الجواهر ) : قيل بكراهة تقليد النعال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث