الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : الأفعال قبل ورود الشرع على الإباحة

ذهب جماعة من المعتزلة إلى أن الأفعال قبل ورود الشرع على الإباحة

وقال بعضهم على الحظر وقال بعضهم على الوقف . ولعلهم أرادوا بذلك فيما لا يقضي العقل فيه بتحسين ولا تقبيح ضرورة أو نظرا كما فصلناه من مذهبهم . وهذه المذاهب كلها باطلة ، أما إبطال مذهب الإباحة فهو أنا نقول : المباح يستدعي مبيحا كما يستدعي العلم والذكر ذاكرا وعالما . والمبيح هو الله تعالى إذ خير بين الفعل والترك بخطابه ، فإذا لم يكن خطاب لم يكن تخيير فلم تكن إباحة . وإن عنوا بكونه مباحا أنه لا حرج في فعله ولا تركه فقد أصابوا في المعنى وأخطئوا في اللفظ ; فإن فعل البهيمة والصبي والمجنون لا يوصف بكونه مباحا وإن لم يكن في فعلهم وتركهم حرج .

والأفعال في حق الله تعالى ، أعني ما يصدر من الله ، لا توصف بأنها مباحة ولا حرج عليه في تركها ; لكنه متى انتفى التخيير من المخير انتفت الإباحة ، فإن استجرأ مستجرئ على إطلاق اسم المباح على أفعال الله تعالى ولم يرد به إلا نفي الحرج فقد أصاب في المعنى ، وإن كان لفظه مستكرها . فإن قيل : العقل هو المبيح لأنه خير بين فعله وتركه إذ حرم القبيح وأوجب الحسن وخير فيما ليس بحسن ولا قبيح .

قلنا تحسين العقل قد أبطلناه وهذا مبني عليه فيبطل ، ثم تسمية العقل مبيحا مجاز كتسميته موجبا ، فإن العقل يعرف الترجيح ويعرف انتفاء الترجيح ويكون معنى وجوبه رجحان فعله على تركه والعقل يعرف ذلك ، ومعنى كونه مباحا انتفاء الترجيح ، والعقل معرف لا مبيح فإنه ليس بمرجح ، ولا مسو ، لكنه معرف للرجحان والاستواء . ثم نقول : بم تنكرون على أصحاب الوقف إذا أنكروا استواء الفعل والترك وقالوا ما من فعل مما لا يحسنه العقل ولا يقبحه إلا ويجوز أن يرد الشرع بإيجابه ، فيدل على أنه متميز بوصف ذاتي لأجله يكون لطفا ناهيا عن الفحشاء داعيا إلى العبادة ولذلك أوجبه الله تعالى ، والعقل لا يستقل بدركه ويجوز أن يرد الشرع بتحريمه ، فيدل على أنه متميز بوصف ذاتي يدعو بسببه إلى الفحشاء لا يدركه العقل وقد استأثر الله بعلمه ؟ هذا مذهبهم .

ثم يقولون : بم تنكرون على أصحاب الحظر إذ قالوا لا نسلم استواء الفعل وتركه ، فإن التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح ، والله [ ص: 52 ] تعالى هو المالك ولم يأذن ؟ فإن قيل لو كان قبيحا لنهي عنه وورد السمع به ، فعدم ورود السمع دليل على انتفاء قبحه . قلنا لو كان حسنا لأذن فيه وورد السمع به ، فعدم ورود السمع به دليل على انتفاء حسنه فإن قيل : إذا أعلمنا الله تعالى أنه نافع ولا ضرر فيه فقد أذن فيه .

قلنا : فإعلام المالك إيانا أن طعامه نافع لا ضرر فيه ينبغي أن يكون إذنا . فإن قيل الملك منا يتضرر والله لا يتضرر فالتصرف في مخلوقاته بالإضافة إليه يجري مجرى التصرف في مرآة الإنسان بالنظر فيها وفي حائطه بالاستظلال به وفي سراجه بالاستضاءة به قلنا لو كان قبح التصرف في ملك الغير لتضرره لا لعدم إذنه لقبح وإن أذن إذا كان متضررا ، كيف ومنع المالك من المرآة والظل والاستضاءة بالسراج قبيح ، وقد منع الله عباده من جملة من المأكولات ولم يقبح ؟ فإن كان ذلك لضرر العبد فما من فعل إلا ويتصور أن يكون فيه ضرر خفي لا يدركه العقل ويرد التوقيف بالنهي عنه .

ثم نقول : قولكم إنه إذا كان لا يتضرر الباري بتصرفنا فيباح ، فلم قلتم ذلك ؟ فإن نقل مرآة الغير من موضع إلى موضع وإن كان لا يتضرر به صاحبها يحرم ، وإنما يباح النظر ; لأن النظر ليس تصرفا في المرآة كما أن النظر إلى الله تعالى وإلى السماء ليس تصرفا في المنظور ، ولا في الاستظلال تصرف في الحائط ولا في الاستضاءة تصرف في السراج ، فلو تصرف في نفس هذه الأشياء ربما يقضي بتحريمه إلا إذا دل السمع على جوازه .

فإن قيل : خلق الله تعالى الطعوم فيها والذوق دليل على أنه أراد انتفاعنا بها فقد كان قادرا على خلقها عارية عن الطعوم قلنا : الأشعرية وأكثر المعتزلة مطبقون على استحالة خلوها عن الأعراض التي هي قابلة لها فلا يستقيم ذلك وإن سلم ، فلعله خلقها لا لينتفع بها أحد بل خلق العالم بأسره لا لعلة ، أو لعله خلقها ليدرك ثواب اجتنابها مع الشهوة كما يثاب على ترك القبائح المشتهاة وأما مذهب أصحاب الحظر فأظهر بطلانا إذ لا يعرف حظرها بضرورة العقل ولا بدليله ; ومعنى الحظر ترجيح جانب الترك على جانب الفعل لتعلق ضرر بجانب الفعل ، فمن أين يعلم ذلك ولم يرد سمع والعقل لا يقضي به بل ربما يتضرر بترك اللذات عاجلا ؟ فكيف يصير تركها أولى من فعلها ؟ وقولهم إنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه وهو قبيح فاسد ; لأنا لا نسلم قبح ذلك لولا تحريم الشرع ونهيه ولو حكم فيه العادة فذلك يقبح في حق من تضرر بالتصرف في ملكه ، بل القبيح المنع مما لا ضرر فيه .

ثم قد بينا أن حقيقة درك القبح ترجع إلى مخالفة الغرض وأن ذلك لا حقيقة له . وأما مذهب الوقف إن أرادوا به أن الحكم موقوف قبل ورود السمع ولا حكم في الحال فصحيح ، إذ معنى الحكم الخطاب ولا خطاب قبل ورود السمع ; وإن أريد به أنا نتوقف فلا ندري أنها محظورة أو مباحة فهو خطأ لأنا ندري أنه لا حظر ، إذ معنى الحظر قول الله تعالى لا تفعلوه ، ولا إباحة إذ معنى الإباحة قوله إن شئتم فافعلوه وإن شئتم فاتركوه ولم يرد شيء من ذلك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث