الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

أما قوله تعالى : ( لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا ) ، فاعلم أن هذا هو الجواب عن تلك الشبهة ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : في تقرير كونه جوابا ، وذلك من وجوه :

أحدها : أن القرآن لما ظهر كونه معجزا فقد ثبتت دلالة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فبعد ذلك يكون اقتراح أمثال هذه الآيات لا يكون إلا محض الاستكبار والتعنت .

وثانيها : أن نزول الملائكة لو حصل لكان أيضا من جملة المعجزات ، ولا يدل على الصدق لخصوص كونه بنزول الملك ، بل لعموم كونه معجزا ، فيكون قبول ذلك المعجز ورد ذلك المعجز الآخر ترجيحا لأحد المثلين على الآخر من غير مزيد فائدة ومرجح ، وهو محض الاستكبار والتعنت .

وثالثها : أنهم بتقدير أن يروا الرب ويسألوه عن صدق محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو سبحانه يقول : نعم هو رسولي ، فذلك لا يزيد في التصديق على إظهار المعجز على يد محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأنا بينا أن المعجز يقوم مقام التصديق بالقول ؛ إذ لا فرق وقد ادعى النبوة بين أن يقول : اللهم إن كنت صادقا فأحي هذا الميت ، فيحييه الله تعالى ، والعادة لم تجر بمثله ، وبين أن يقول له : صدقت ، وإذا كان التصديق الحاصل بالقول أو الحاصل بالمعجز في كونه تصديقا للمدعي كان تعيين أحدهما محض الاستكبار والتعنت .

ورابعها : وهو أنا نعتقد أن الله سبحانه وتعالى يفعل بحسب المصالح ، على ما يقوله المعتزلة ، أو نقول : إن الله تعالى يفعل بحسب المشيئة على ما يقوله أصحابنا ، فإن كان الأول لم يجز لهم أن يعينوا المعجز ؛ إذ ربما كان إظهار ذلك المعجز مشتملا على مفسدة لا يعرفها إلا الله تعالى ، وكان التعيين استكبارا وعتوا من حيث إنه لما ظنه مصلحة قطع بكونه مصلحة ، فمن قال ذلك فقد اعتقد في نفسه أنه عالم بكل المعلومات ، وذلك استكبار عظيم ، وإن كان الثاني وهو قول أصحابنا فليس للعبد أن يقترح على ربه ، فإنه سبحانه فعال لما يريد ، فكان الاقتراح استكبارا وعتوا وخروجا عن حد العبودية إلى مقام المنازعة والمعارضة .

وخامسها : وهو أن المقصود من بعثة الأنبياء الإحسان إلى الخلق ، فالملك الكبير إذا أحسن إلى [ ص: 61 ] بعض الضعفاء رحمة عليه فأخذ ذلك الضعيف إلى اللجاج والنزاع ، ويقول : لا أريد هذا ، بل أريد ذاك ، حسن أن يقال : إن هذا المكدي قد استكبر في نفسه وعتا عتوا شديدا من حيث لا يعرف قدر نفسه ومنتهى درجته ، فكذا ههنا .

وسادسها : يمكن أن يكون المراد أن الله تعالى قال : لو علمت أنهم ما ذكروا هذا السؤال لأجل الاستكبار والعتو الشديد لأعطيتهم مقترحهم ، ولكني علمت أنهم ذكروا هذا الاقتراح لأجل الاستكبار والتعنت ، فلو أعطيتهم مقترحهم لما انتفعوا به ، فلا جرم لا أعطيهم ذلك ، وهذا التأويل يعرف من اللفظ .

وسابعها : لعلهم سمعوا من أهل الكتاب أن الله تعالى لا يرى في الدنيا ، وأنه تعالى لا ينزل الملائكة في الدنيا على عوام الخلق ، ثم إنهم علقوا إيمانهم على ذلك على سبيل التعنت أو على سبيل الاستهزاء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث