الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            السؤال الرابع : ما الأناسي ؟ الجواب : قال الفراء والزجاج : الإنسي والأناسي كالكرسي والكراسي ، ولم يقل كثيرين ؛ لأنه قد جاء فعيل مفردا ويراد به الكثرة ؛ كقوله : ( وقرونا بين ذلك كثيرا ) [الفرقان : 38] ( وحسن أولئك رفيقا ) [النساء : 69] .

                                                                                                                                                                                                                                            واعلم أن الفقهاء قد استنبطوا أحكام المياه من قوله تعالى : ( وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) ونحن نشير إلى معاقد تلك المسائل فنقول : ههنا نظران :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدهما : أن الماء مطهر .

                                                                                                                                                                                                                                            والثاني : أن غير الماء هل هو مطهر أم لا ؟

                                                                                                                                                                                                                                            النظر الأول : أن نقول : الماء إما أن لا يتغير أو يتغير . القسم الأول وهو الذي لا يتغير فهو طاهر في ذاته مطهر لغيره إلا الماء المستعمل فإنه عند الشافعي طاهر وليس بمطهر ، وقال مالك والثوري : يجوز الوضوء به ، وقال أبو حنيفة في رواية أبي يوسف : إنه نجس . فههنا مسائل :

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الأولى : في بيان أنه ليس بمطهر ، ودليلنا قوله عليه السلام : لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب ، ولو بقي الماء كما كان طاهرا مطهرا لما كان للمنع منه معنى ، ومن وجه القياس أن الصحابة كانوا يتوضئون في الأسفار وما كانوا يجمعون تلك المياه ، مع علمهم باحتياجهم بعد ذلك إلى الماء ، ولو كان ذلك الماء مطهرا لحملوه ليوم الحاجة ، واحتج مالك بالآية والخبر والقياس . أما الآية فمن وجهين :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : قوله تعالى : ( وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) ، وقوله : ( وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ) [ الأنفال : 11] فدلت الآية على حصول وصف المطهرية للماء ، والأصل في الثابت بقاؤه ، فوجب الحكم ببقاء هذه الصفة للماء بعد صيرورته مستعملا ، وأيضا قوله : ( طهورا ) يقتضي جواز التطهر به مرة بعد أخرى .

                                                                                                                                                                                                                                            والثاني : أنه أمر بالغسل مطلقا في قوله : ( فاغسلوا ) [المائدة : 6] واستعمال كل المائعات غسل ؛ لأنه لا معنى للغسل إلا إمرار الماء على العضو ، قال الشاعر :


                                                                                                                                                                                                                                            فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها



                                                                                                                                                                                                                                            فمن اغتسل بالماء المستعمل فقد أتى بالغسل ، فوجب أن يكون مجزئا له ؛ لأنه أتى بما أمر به ، فوجب أن يخرج عن العهدة ، وأما السنة فما روي أنه عليه السلام توضأ فمسح رأسه بفضل ما في يده ، وعنه عليه السلام : أنه توضأ فأخذ من بلل لحيته فمسح به رأسه ، وعن ابن عباس أنه عليه السلام : اغتسل فرأى لمعة في جسده لم يصبها الماء ، فأخذ شعرة عليها بلل فأمرها على تلك اللمعة . وأما القياس فإنه ماء طاهر لقي [ ص: 81 ] جسدا طاهرا ، فأشبه ما إذا لقي حجارة أو حديدا ، وكذا الماء المستعمل في الكرة الرابعة والمستعمل في التبرد والتنظيف ، ولأنه لا خلاف أنه إذا وضع الماء على أعلى وجهه وسقط به فرض ذلك الموضع ثم نزل ذلك الماء بعينه إلى بقية الوجه فإنه يجزيه ، مع أن ذلك الماء صار مستعملا في أعلى الوجه .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية