الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين

المطلب الثالث : أن الحكم المطلوب في الدعاء إما أن يكون هو العلم بالله أو بغيره والثاني باطل ، لأن الإنسان حال كونه مستحضرا للعلم بشيء لا يمكنه أن يكون مستحضرا للعلم بشيء آخر فلو كان المطلوب بهذا الدعاء العلم بغير الله تعالى ، والعلم بغير الله تعالى شاغل عن الاستغراق في العلم بالله كان هذا السؤال طلبا لما يشغله عن الاستغراق في العلم بالله تعالى ، وذلك غير جائز لأنه لا كمال فوق ذلك الاستغراق ، فإذن المطلوب بهذا الدعاء هو العلم بالله . ثم إن ذلك العلم إما أن يكون هو العلم بالله تعالى الذي هو شرط صحة الإيمان أو غيره ، والأول باطل لأنه لما وجب أن يكون حاصلا لكل المؤمنين فكيف لا يكون حاصلا عند إبراهيم عليه السلام ، وإذا كان حاصلا عنده امتنع طلب تحصيله ، فثبت أن المطلوب بهذا الدعاء درجات في معرفة الله تعالى أزيد من العلم بوجوده وبأنه ليس بمتحيز ولا حال في المتحيز وبأنه عالم قادر حي ، وما ذاك إلا الوقوف على صفات الجلال أو الوقوف على حقيقة الذات أو ظهور نور تلك المعرفة [ ص: 129 ] في القلب . ثم هناك أحوال لا يعبر عنها المقال ولا يشرحها الخيال ، ومن أراد أن يصل إليها فليكن من الواصلين إلى العين ، دون السامعين للأثر .

المطلوب الثاني : قوله : ( واجعل لي لسان صدق في الآخرين ) وفيه ثلاث تأويلات :

التأويل الأول : أنه عليه السلام ابتدأ بطلب ما هو الكمال الذاتي للإنسان في الدنيا والآخرة وهو طلب الحكم الذي هو العلم ، ثم طلب بعده كمالات الدنيا وبعد ذلك طلب كمالات الآخرة ، فأما كمالات الدنيا فبعضها داخلية وبعضها خارجية ، أما الداخلية : فهي الخلق الظاهر والخلق الباطن والخلق الظاهر أشد جسمانية والخلق الباطن أشد روحانية ، فترك إبراهيم عليه السلام الأمر الجسماني وهو الخلق الظاهر وطلب الأمر الروحاني وهو الخلق الباطن ، وهو المراد بقوله : ( وألحقني بالصالحين ) وأما الخارجية : فهي المال والجاه ، والمال أشد جسمانية والجاه أشد روحانية فترك إبراهيم عليه السلام الأمر الجسماني وهو المال وطلب الأمر الروحاني وهو الجاه والذكر الجميل الباقي على وجه الدهر ، وهو المراد بقوله : ( واجعل لي لسان صدق في الآخرين ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : وقد أعطاه ذلك بقوله : ( وتركنا عليه في الآخرين ) [ الصافات : 108 ] فإن قيل وأي غرض له في أن يثني عليه ويمدح ؟ جوابه من وجهين :

الأول : وهو على لسان الحكمة : أن الأرواح البشرية قد بينا أنها مؤثرة في الجملة إلا أن بعضها قد يكون ضعيفا فيعجز عن التأثير فإذا اجتمعت طائفة منها فربما قوي مجموعها على ما عجزت الآحاد عنه ، وهذا المعنى مشاهد في المؤثرات الجسمانية ، إذا ثبت هذا فالإنسان الواحد إذا كان بحيث يثني عليه الجمع العظيم ويمدحونه ويعظمونه ، فربما صار انصراف هممهم عند الاجتماع إليه سببا لحصول زيادة كمال له .

الثاني : وهو على لسان الكمال : أن من صار ممدوحا فيما بين الناس بسبب ما عنده من الفضائل ، فإنه يصير ذلك المدح وتلك الشهرة داعيا لغيره إلى اكتساب مثل تلك الفضائل .

التأويل الثاني : أنه سأل ربه أن يجعل من ذريته في آخر الزمان من يكون داعيا إلى الله تعالى ، وذلك هومحمد صلى الله عليه وسلم فالمراد من قوله : ( واجعل لي لسان صدق في الآخرين ) بعثة محمد صلى الله عليه وسلم .

التأويل الثالث : قال بعضهم : المراد اتفاق أهل الأديان على حبه ، ثم إن الله تعالى أعطاه ذلك لأنك لا ترى أهل دين إلا ويتولون إبراهيم عليه السلام ، وقدح بعضهم فيه بأنه لا تقوى الرغبة في مدح الكافر وجوابه : أنه ليس المقصود مدح الكافر من حيث هو كافر ، بل المقصود أن يكون ممدوح كل إنسان ومحبوب كل قلب .

المطلوب الثالث : قوله : ( واجعلني من ورثة جنة النعيم ) اعلم أنه لما طلب سعادة الدنيا طلب بعدها سعادة الآخرة وهي جنة النعيم ، وشبهها بما يورث لأنه الذي يغتنم في الدنيا ، فشبه غنيمة الآخرة بغنيمة الدنيا .

المطلوب الرابع : قوله : ( واغفر لأبي إنه كان من الضالين ) واعلم أنه لما فرغ من طلب السعادات الدنيوية والأخروية لنفسه طلبها لأشد الناس التصاقا به وهو أبوه فقال : ( واغفر لأبي ) ثم فيه وجوه :

الأول : أن المغفرة مشروطة بالإسلام وطلب المشروط متضمن لطلب الشرط فقوله : ( واغفر لأبي ) يرجع حاصله إلى أنه دعاء لأبيه بالإسلام .

الثاني : أن أباه وعده الإسلام كما قال تعالى : ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن [ ص: 130 ] موعدة وعدها إياه ) [ التوبة : 114 ] فدعا له لهذا الشرط ولا يمتنع الدعاء للكافر على هذا الشرط ( فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ) [ التوبة : 114 ] وهذا ضعيف لأن الدعاء بهذا الشرط جائز للكافر فلو كان دعاؤه مشروطا لما منعه الله عنه .

الثالث : أن أباه قال له : إنه على دينه باطنا وعلى دين نمروذ ظاهرا تقية وخوفا ، فدعا له لاعتقاده أن الأمر كذلك فلما تبين له خلاف ذلك تبرأ منه ، لذلك قال في دعائه : ( إنه كان من الضالين ) فلولا اعتقاده فيه أنه في الحال ليس بضال لما قال ذلك .

المطلوب الخامس : قوله : ( ولا تخزني يوم يبعثون ) قال صاحب " الكشاف " : الإخزاء من الخزي وهو الهوان ، أو من الخزاية وهي الحياء وههنا أبحاث :

أحدها : أن قوله : ( ولا تخزني ) يدل على أنه لا يجب على الله تعالى شيء على ما بيناه في قوله : ( والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ) .

وثانيها : أن لقائل أن يقول لما قال أولا : ( واجعلني من ورثة جنة النعيم ) ومتى حصلت الجنة امتنع حصول الخزي ، فكيف قال بعده : ( ولا تخزني يوم يبعثون ) وأيضا فقد قال تعالى : ( إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ) [ النحل : 27 ] فما كان نصيب الكفار فقط فكيف يخافه المعصوم ؟ جوابه : كما أن حسنات الأبرار سيئات المقربين فكذا درجات الأبرار دركات المقربين وخزي كل واحد بما يليق به .

وثالثها : قال صاحب " الكشاف " : في [ يبعثون ] ضمير العباد لأنه معلوم أو ضمير الضالين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث