الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الموضع الثاني

[ من المعتبر رضاه في لزوم هذا العقد ؟ ]

وأما من المعتبر قبوله في صحة هذا العقد : فإنه يوجد في الشرع على ضربين :

أحدهما : يعتبر فيه رضا المتناكحين أنفسهما ( أعني : الزوج والزوجة ) إما مع الولي ، وإما دونه ، على مذهب من لا يشترط الولي في رضا المرأة المالكة أمر نفسها .

والثاني يعتبر فيه رضا الأولياء فقط .

وفي كل واحد من هذين الضربين مسائل اتفقوا عليها ، ومسائل اختلفوا فيها ، ونحن نذكر منها قواعدها وأصولها فنقول :

أما الرجال البالغون الأحرار المالكون لأمر أنفسهم : فإنهم اتفقوا على اشتراط رضاهم وقبولهم في صحة النكاح .

واختلفوا هل يجبر العبد على النكاح سيده ، والوصي محجوره البالغ أم ليس يجبره ؟ فقال مالك : يجبر السيد عبده على النكاح ، وبه قال أبو حنيفة . وقال الشافعي : لا يجبره .

والسبب في اختلافهم : هل النكاح من حقوق السيد أم ليس من حقوقه ؟

وكذلك اختلفوا في جبر الوصي محجوره ، والخلاف في ذلك موجود في المذهب .

وسبب اختلافهم : هل النكاح مصلحة من مصالح المنظور له ; أم ليس بمصلحة ; وإنما طريقه الملاذ ؟ وعلى القول بأن النكاح واجب ينبغي أن لا يتوقف في ذلك .

وأما النساء اللاتي يعتبر رضاهن في النكاح : فاتفقوا على اعتبار رضا الثيب البالغ ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : " والثيب تعرب عن نفسها " إلا ما حكي عن الحسن البصري .

واختلفوا في البكر البالغ وفي الثيب الغير البالغ ما لم يكن ظهر منها الفساد .

[ ص: 396 ] فأما البكر البالغ ، فقال مالك والشافعي ، وابن أبي ليلى : للأب فقط أن يجبرها على النكاح . وقال أبو حنيفة ، والثوري ، والأوزاعي ، وأبو ثور وجماعة : لا بد من اعتبار رضاها ، ووافقهم مالك في البكر المعنسة على أحد القولين عنه .

وسبب اختلافهم : معارضة دليل الخطاب في هذا للعموم : وذلك أن ما روي عنه عليه الصلاة والسلام من قوله : " لا تنكح اليتيمة إلا بإذنها " . وقوله : " تستأمر اليتيمة في نفسها " خرجه أبو داود ، والمفهوم منه بدليل الخطاب أن ذات الأب بخلاف اليتيمة .

وقوله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس المشهور : " والبكر تستأمر " يوجب بعمومه استئمار كل بكر ، والعموم أقوى من دليل الخطاب ، مع أنه خرج مسلم في حديث ابن عباس زيادة ، وهو أنه قال عليه الصلاة والسلام : " والبكر يستأذنها أبوها " وهو نص في موضع الخلاف .

وأما الثيب الغير البالغ ، فإن مالكا وأبا حنيفة قالا : يجبرها الأب على النكاح . وقال الشافعي : لا يجبرها . وقال المتأخرون : إن في المذهب فيها ثلاثة أقوال : قول : إن الأب يجبرها ما لم تبلغ بعد الطلاق ، وهو قول أشهب . وقول إنه يجبرها وإن بلغت ، وهو قول سحنون . وقول : إنه لا يجبرها وإن لم تبلغ ، وهو قول أبي تمام . والذي حكيناه عن مالك : هو الذي حكاه أهل مسائل الخلاف كابن القصار وغيره عنه .

وسبب اختلافهم : معارضة دليل الخطاب للعموم :

وذلك أن قوله عليه الصلاة والسلام : " تستأمر اليتيمة في نفسها ولا تنكح اليتيمة إلا بإذنها " ، يفهم منه أن ذات الأب لا تستأمر ; إلا ما أجمع عليه الجمهور من استئمار الثيب البالغ .

وعموم قوله عليه الصلاة والسلام : " الثيب أحق بنفسها من وليها " يتناول البالغ وغير البالغ ، وكذلك قوله : " لا تنكح الأيم حتى تستأمر ، ولا تنكح حتى تستأذن " يدل بعمومه على ما قاله الشافعي .

ولاختلافهم في هاتين المسألتين سبب آخر ، وهو استنباط القياس من موضع الإجماع ، وذلك أنهم لما أجمعوا على أن الأب يجبر البكر غير البالغ ، وأنه لا يجبر الثيب البالغ إلا خلافا شاذا فيهما جميعا كما قلنا اختلفوا في موجب الإجبار ; هل هو البكارة أو الصغر ؟ فمن قال : الصغر قال : لا تجبر البكر البالغ . ومن قال : البكارة قال : تجبر البكر البالغ ، ولا تجبر الثيب الصغيرة . ومن قال : كل واحد منهما يوجب الإجبار إذا انفرد ، قال : تجبر البكر البالغ والثيب غير البالغ . والتعليل الأول تعليل أبي حنيفة ، والثاني تعليل الشافعي ، والثالث تعليل مالك . والأصول أكثر شهادة لتعليل أبي حنيفة .

واختلفوا في الثيوبة التي ترفع الإجبار وتوجب النطق بالرضا أو الرد ، فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها الثيوبة التي تكون بنكاح صحيح أو شبهة نكاح أو ملك ، وأنها لا تكون بزنى ولا بغصب . وقال الشافعي : كل ثيوبة ترفع الإجبار .

وسبب اختلافهم : هل يتعلق الحكم بقوله عليه الصلاة والسلام : " الثيب أحق بنفسها من وليها " بالثيوبة الشرعية أم بالثيوبة اللغوية ؟ .

واتفقوا على أن الأب يجبر ابنه الصغير على النكاح ، وكذلك ابنته الصغيرة البكر ولا يستأمرها لما ثبت : [ ص: 397 ] " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة رضي الله عنها بنت ست أو سبع ، وبنى بها بنت تسع بإنكاح أبي بكر أبيها رضي الله عنه " إلا ما روي من الخلاف عن ابن شبرمة .

واختلفوا من ذلك في مسألتين :

إحداهما : هل يزوج الصغيرة غير الأب ؟ والثانية : هل يزوج الصغير غير الأب ؟ [ المسألة الأولى ]

[ هل يزوج الصغيرة غير الأب ؟ ]

فأما هل يزوج الصغيرة غير الأب أم لا ؟ فقال الشافعي : يزوجها الجد أبو الأب والأب فقط . وقال مالك : لا يزوجها إلا الأب فقط ، أو من جعل الأب له ذلك إذا عين الزوج إلا أن يخاف عليها الضيعة والفساد . وقال أبو حنيفة : يزوج الصغيرة كل من له عليها ولاية من أب وقريب وغير ذلك ، ولها الخيار إذا بلغت .

وسبب اختلافهم : معارضة العموم للقياس ، وذلك أن قوله عليه الصلاة والسلام : " والبكر تستأمر وإذنها صماتها " يقتضي العموم في كل بكر إلا ذات الأب التي خصصها الإجماع ، إلا الخلاف الذي ذكرناه . وكون سائر الأولياء معلوما منهم النظر والمصلحة لوليتهم يوجب أن يلحقوا بالأب في هذا المعنى : فمنهم من ألحق به جميع الأولياء ، ومنهم من ألحق به الجد فقط ، لأنه في معنى الأب إذ كان أبا أعلى ، وهو الشافعي . ومن قصر ذلك على الأب رأى أن ما للأب في ذلك غير موجود لغيره ; إما من قبل أن الشرع خصه بذلك ; وإما من قبل أن ما يوجد فيه من الرأفة والرحمة لا يوجد في غيره ، وهو الذي ذهب إليه مالك رضي الله عنه ، وما ذهب إليه أظهر - والله أعلم - إلا أن يكون هنالك ضرورة .

وقد احتج الحنفية بجواز إنكاح الصغار غير الآباء بقوله تعالى : ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) قال : واليتيم لا ينطلق إلا على غير البالغة .

والفريق الثاني قالوا : إن اسم اليتيم قد ينطلق على بالغة بدليل قوله عليه الصلاة والسلام : " تستأمر اليتيمة " والمستأمرة هي من أهل الإذن وهي البالغة ، فيكون لاختلافهم سبب آخر ، وهو اشتراك اسم اليتيم .

وقد احتج أيضا من لم يجز نكاح غير الأب لها بقوله عليه الصلاة والسلام : " تستأمر اليتيمة في نفسها " قالوا : والصغيرة ليست من أهل الاستئمار باتفاق ، فوجب المنع ، ولأولئك أن يقولوا : إن هذا حكم اليتيمة التي هي من أهل الاستئمار ، وأما الصغيرة فمسكوت عنها .

[ المسألة الثانية ]

[ هل يزوج الصغير غير الأب ؟ ]

وأما : هل يزوج الولي غير الأب الصغير ؟ فإن مالكا أجازه للوصي ، وأبا حنيفة أجازه للأولياء ، إلا أن أبا حنيفة أوجب الخيار له إذا بلغ ، ولم يوجب ذلك مالك . وقال الشافعي : ليس لغير الأب إنكاحه .

وسبب اختلافهم : قياس غير الأب في ذلك على الأب : فمن رأى أن الاجتهاد الموجود فيه الذي جاز [ ص: 398 ] للأب به أن يزوج الصغير من ولده لا يوجد في غير الأب لم يجز ذلك . ومن رأى أنه يوجد فيه أجاز ذلك . ومن فرق بين الصغير في ذلك والصغيرة فلأن الرجل يملك الطلاق إذا بلغ ولا تملكه المرأة ، ولذلك جعل أبو حنيفة لهما الخيار إذا بلغا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث