الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

5306 [ 2545 ] وعنه ؛ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من الجهار أن يعمل العبد عملا بالليل ، ثم يصبح وقد ستره ربه فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه" .

رواه البخاري (6069)، ومسلم (2990).

التالي السابق


و (قوله : " كل أمتي معافى إلا المجاهرين ) كذا رواية أكثر الرواة بتقديم الجيم على الهاء منصوبا على الاستثناء ، وهو جمع مجاهر ، اسم فاعل من جاهره بالقول وبالعداوة : إذا ناداه وفاجأه بذلك . ووقع في نسخة شيخنا أبي الصبر : " إلا المجاهرون " بالواو ، رفعا ، وهو جائز ، على أن تحمل (إلا) على (غير) كما قد أنشده النحويون :


وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان

أي : غير الفرقدين ، وهو قليل ، والوجه الأول الكثير الفصيح .

و (قوله : " وإن من الجهار ") هذه رواية زهير ، وهي رواية حسنة ، لأنه [ ص: 618 ] مصدر : جاهر ، الذي اسم الفاعل منه مجاهر ، فيتناسب صدر الكلام وعجزه . ورواه أكثر رواة مسلم : " وإن من الإجهار " فيكون مصدر : أجهر ، أي : أعلن . قال الجوهري : إجهار الرجل : إعلانه ، وعند الفارسي : وإن من الإهجار ، بتقديم الهاء على الجيم ، وهو الإفحاش في القول . قاله الجوهري .

قلت : وهذه الروايات ، وإن اختلفت ألفاظها ، هي راجعة إلى معنى واحد قد فسره في الحديث ، وهو أن يعمل الرجل معصية في خفية وخلوة ، ثم يخرج يتحدث بها مع الناس ، ويجهر بها ويعلنها ، وهذا من أكبر الكبائر وأفحش الفواحش . وذلك أن هذا لا يصدر إلا من جاهل بقدر المعصية ، أو مستهين مستهزئ بها ، مصر عليها ، غير تائب منها ، مظهر للمنكر . والواحد من هذه الأمور كبيرة ، فكيف إذا اجتمعت ؟! فلذلك كان فاعل هذه الأشياء أشد الناس بلاء في الدنيا ، وعقوبة في الآخرة ، لأنه تجتمع عليه عقوبة تلك الأمور كلها ، وسائر الناس ممن ليس على مثل حاله ، وإن كان مرتكب كبيرة فأمره أخف ، وعقوبته - إن عوقب - أهون ، ورجوعه عنها أقرب من الأول ، لأن ذلك المجاهر قل أن يتوب ، أو يرجع عما اعتاده من المعصية ، وسهل عليه منها . فيكون كل العصاة بالنسبة إليه إما معافى مطلقا إن تاب ، وإما معافى بالنسبة إليه إن عوقب ، والله تعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث