الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر مقتل يزدجرد بن شهريار

في هذه السنة هرب يزدجرد من فارس إلى خراسان ، في قول بعضهم ، وقد تقدم الخلاف فيه ، وكان ابن عامر قد خرج من البصرة حين وليها إلى فارس فافتتحها ، وهرب يزدجرد من جور ، وهي أردشير خره ، في سنة ثلاثين ، فوجه ابن عامر في أثره مجاشع بن مسعود ، وقيل : هرم بن حيان العبدي ، وقيل : هرم بن حيان اليشكري ، فاتبعه إلى كرمان ، فهرب يزدجرد إلى خراسان . وأصاب مجاشع بن مسعود ومن معه الثلج والدمق واشتد البرد ، وكان الثلج قيد رمح ، فهلك الجند ، وسلم مجاشع ورجل معه جارية ، فشق بطن بعير فأدخلها فيه وهرب . فلما كان الغد جاء فوجدها حية فحملها . فسمي ذلك القصر قصر مجاشع لأن جيشه هلكوا فيه ، وهو على خمسة فراسخ أو ستة من السيرجان من أعمال كرمان .

هذا على قول من يقول : إن هرب يزدجرد من فارس كان هذه السنة .

وأما سبب قتله ، على ما تقدم ذكره من ( فتح فارس وخراسان ) ، فقد اختلف الناس في سبب قتله ، فقيل : إنه هرب من كرمان في جماعة إلى مرو ، ومعه خرزاد أخو رستم ، فرجع عنه إلى العراق ، ووصى به ماهويه مرزبان مرو ، فسأله يزدجرد مالا فمنعه ، [ ص: 491 ] فخافه أهل مرو على أنفسهم ، فأرسلوا إلى الترك يستنصرونهم عليه ، فأتوه فبيتوه ، فقتلوا أصحابه ، فهرب يزدجرد ماشيا إلى شط المرغاب ، فأوى إلى بيت رجل ينقر الأرحاء ، فلما نام قتله . وقيل : بل بيته أهل مرو ، ولم يستنصروا بالترك ، فقتلوا أصحابه وهرب منهم ، فقتله النقار ، وتبعوا أثره إلى بيت الذي ينقر الأرحاء ، فأخذوه وضربوه ، فأقر بقتله فقتلوه وأهله .

وكان يزدجرد قد وطئ امرأة بها ، فولدت له غلاما ذاهب الشق ، ولدته بعد قتله فسمي المخدج ، فولد له أولاد بخراسان ، فوجد قتيبة بن مسلم حين افتتح الصغد وغيرها جاريتين من ولد المخدج ، فبعث بهما أو بأحدهما إلى الحجاج ، فبعث بها إلى الوليد بن عبد الملك ، فولدت للوليد يزيد بن الوليد الناقص . وأخرج يزدجرد من النهر في تابوت وحمل إلى إصطخر فوضع في ناووس هناك .

وقيل : إن يزدجرد هرب بعد وقعة نهاوند إلى أرض أصبهان ، وبها رجل يقال له مطيار كان قد أصاب من العرب شيئا يسيرا ، فصار له بها محل كبير ، فأتى مطيار يزدجرد ذات يوم ، فحجبه بوابه ليستأذن له ، فضربه وشجه ، فدخل البواب على يزدجرد مدمى ، فرحل عن أصبهان من ساعته فأتى الري ، فخرج إليه صاحب طبرستان وعرض عليه بلاده وأخبره بحصانتها ، فلم يجبه .

وقيل : مضى من فوره ذلك إلى سجستان ، ثم سار إلى مرو في ألف فارس ، وقيل : بل قصد فارس فأقام بها أربع سنين ، ثم أتى كرمان فأقام بها سنتين أو ثلاثا فطلب إليه دهقانه شيئا ، فلم يجبه ، فجره برجله وطرده عن بلاده ، فسار إلى سجستان فأقام بها نحوا من خمس سنين ، ثم عزم على قصد خراسان ليجمع الجموع ويسير بهم إلى العرب ، فسار إلى مرو ومعه الرهن من أولاد الدهاقين ومعه فرخزاد . فلما قدم مرو كاتب ملوك الصين وملك فرغانة وملك كابل وملك الخزر يستمدهم ، وكان الدهقان يومئذ بمرو ماهويه أبو براز ، فوكل ماهويه بمرو ابنه براز ليحفظها ، ويمنع عنها يزدجرد خوفا من مكره ، فركب يزدجرد يوما وطاف بالمدينة ، وأراد دخولها من بعض أبوابها ، فمنعه براز ، فصاح به أبوه ليفتح الباب فلم يفعل ، وأومأ إليه أبوه أن لا يفعل ، ففطن له [ ص: 492 ] رجل من أصحاب يزدجرد ، فأعلمه بذلك واستأذنه في قتله ، فلم يأذن له .

وقيل : أراد يزدجرد صرف الدهقنة عن ماهويه إلى سنجان ابن أخيه ، فبلغ ذلك ماهويه ، فعمل في هلاك يزدجرد ، فكتب إلى نيزك طرخان يدعوه إلى القدوم عليه ; ليتفقا على قتله ومصالحة العرب عليه ، وضمن له إن فعل أن يعطيه كل يوم ألف درهم . فكتب نيزك إلى يزدجرد يعده المساعدة على العرب ، وأنه يقدم عليه بنفسه إن أبعد عسكره وفرخزاد عنه . فاستشار يزدجرد أصحابه فقال له سنجان : لست أرى أن تبعد عنك أصحابك وفرخزاد . وقال أبو براز : أرى أن تتألف نيزك وتجيبه إلى ما سأل . فقبل رأيه وفرق عنه جنده ، فصاح فرخزاد وشق جيبه وقال : أظنكم قاتلي هذا ! ولم يبرح فرخزاد حتى كتب له يزدجرد بخط يده أنه آمن وأنه قد أسلم يزدجرد وأهله وما معه إلى ماهويه ، وأشهد بذلك . وأقبل نيزك فلقيه يزدجرد بالمزامير والملاهي ، أشار عليه بذلك أبو براز ، فلما لقيه تأخر عنه أبو براز فاستقبله نيزك ماشيا ، فأمر له يزدجرد بجنيبة من جنائبه ، فركبها ، فلما توسط عسكره تواقفا ، فقال له نيزك فيما يقول : زوجني إحدى بناتك حتى أناصحك في قتال عدوك . فسبه يزدجرد ، فضربه نيزك بمقرعته ، وصاح يزدجرد ، وركض منهزما . وقتل أصحاب نيزك أصحاب يزدجرد ، وانتهى يزدجرد إلى بيت طحان ، فمكث فيه ثلاثة أيام لم يأكل طعاما . فقال له الطحان : اخرج أيها الشقي فكل طعاما فقد جعت ! فقال : لست أصل إلى ذلك إلا بزمزمة ، وكان عند الطحان رجل يزمزم ، فكلمه الطحان في ذلك ففعل وزمزم له فأكل . فلما رجع المزمزم سمع بذكر يزدجرد ، فسأل عن حليته ، فوصفوه له ، فأخبرهم به وبحليته ، فأرسل إليه أبو براز رجلا من الأساورة ، وأمره بخنقه وإلقائه في النهر ، وأتى الطحان فضربه ليدله عليه ، فلم يفعل وجحده . فلما أراد الانصراف عنه قال له بعض أصحابه : إني لأجد ريح مسك ; ونظر إلى طرف ثوبه من ديباج في الماء ، فجذبه فإذا هو يزدجرد ، فسأله أن لا يقتله ولا يدل عليه ، وجعل له خاتمه ومنطقته وسواره . فقال له : أعطني أربعة دراهم وأخلي عنك ، فلم يكن معه وقال : إن خاتمي لا يحصى ثمنه فخذه ، فأبى عليه ، فقال له يزدجرد : قد كنت أخبر أني سأحتاج إلى أربعة دراهم فقد رأيت ذلك ، ثم نزع أحد قرطيه ، فأعطاه الطحان ليستر عليه ، وأرادوا قتله ، فقال : ويحكم ! إنا نجد في كتبنا أنه من قتل الملوك عاقبه الله بالحريق في الدنيا ، فلا تقتلوني واحملوني إلى الدهقان أو إلى العرب فإنهم يستبقون مثلي ! فأخذوا ما عليه وخنقوه بوتر القوس وألقوه في الماء ، فأخذه أسقف مرو وجعله في تابوت ودفنه . وسأل أبو [ ص: 493 ] براز عن أحد القرطين ، وأخذ الذي دل عليه فضربه حتى أتى على نفسه .

وقيل : بل سار يزدجرد من كرمان قبل ورود العرب إليها نحو مرو على الطبسين وقوهستان في أربعة آلاف ، فلما قارب مرو لقيه قائدان ، يقال لأحدهما براز ، وللآخر سنجان وكانا متباغضين ، فسعى براز بسنجان حتى هم يزدجرد بقتله ، وأفشى ذلك إلى امرأة من نسائه ، ففشا الحديث ، فجمع سنجان أصحابه ، وقصد قصر يزدجرد ، فهرب براز وخاف يزدجرد فهرب أيضا إلى رحى على فرسخين من مرو ، فدخل بيت نقار الرحى ، فأطعمه الطحان ، فطلب منه شيئا فأعطاه منطقته ، فقال : إنما يكفيني أربعة دراهم ، فلم يكن معه ، ثم نام يزدجرد فقتله الطحان بفأس كانت معه ، وأخذ ما عليه وألقى جثته في الماء وشق بطنه وثقله .

وسمع بقتله مطران كان بمرو ، فجمع النصارى وقال : قتل ابن شهريار ، وإنما شهريار ابن شيرين المؤمنة التي قد عرفتم حقها وإحسانها إلى أهل ملتنا ، مع ما نال النصارى في ملك جده أنوشروان من الشرف ، فينبغي أن نحزن لقتله ونبني له ناووسا ، فأجابوه إلى ذلك وبنوا له ناووسا وأخرجوا جثته وكفنوها ودفنوها في الناووس .

وكان ملكه عشرين سنة ، منها أربع سنين في دعة ، وست عشرة سنة في تعب من محاربة العرب إياه وغلظتهم عليه ، وكان آخر من ملك من آل أردشير بن بابك وصفا الملك بعده للعرب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث