الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل وجوب القراءة وتعيينها بفاتحة الكتاب وغيرها

مسألة : قال الشافعي ، رضي الله عنه : " ويبتدئها ببسم الله الرحمن الرحيم ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ أم القرآن وعدها آية "

[ ص: 105 ] قال الماوردي : وهذا كما قال بسم الله الرحمن الرحيم عندنا آية من كل سورة من الفاتحة وغيرها إلا من سورة التوبة فليست آية منها

واختلف أصحابنا هل هي آية من كل سورة حكما أو قطعا ؟ فالذي عليه جمهورهم أنها آية من كل سورة حكما إلا سورة النمل فإنها آية منها قطعا ، وحكي عن ابن أبي هريرة أنها آية من كل سورة قطعا كسورة النمل إلا التوبة ، وقال مالك : ليست آية من الفاتحة ، ولا من غيرها إلا من سورة النمل ، ولا يجوز أن يستفتح بها القراءة في الصلاة إلا في قيام شهر رمضان ، فأما أبو حنيفة فالمشهور عنه أنها ليست من القرآن إلا في سورة النمل كقول مالك ، وحكى بعض أصحابه أنها آية في كل موضع ذكرت فيه إلا أنها ليست آية من السورة ، واستدل من منع أن تكون آية من الفاتحة ومن كل سورة بأمور

منها : رواية حميد الطويل عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبا بكر ، وعمر ، رضي الله عنهما ، كانوا يفتتحون الصلاة بـ الحمد لله رب العالمين

وروى أبو الجوزاء عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير ، والقراءة بـ الحمد لله رب العالمين قالوا : ولأن أول ما نزل جبريل ، عليه السلام ، على النبي صلى الله عليه وسلم قال : له اقرأ . قال : وما أقرأ ؟ قال اقرأ باسم ربك الذي خلق [ العلق : 1 ] . ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فيها فدل على أنها ليست منها ، قالوا : ولأن محل القرآن لا يثبت إلا بما يثبت به لفظ القرآن فلما كان لفظ القرآن لا يثبت إلا بالتواتر والاستفاضة كذلك محله لا يثبت إلا بالتواتر والاستفاضة ، قالوا : ولأن الصحابة ، رضي الله عنهم ، قد أجمعت في كثير من السور على عدد آيها فمن ذلك سورة قل هو الله أحد [ الصمد : 1 ] . أجمعوا على أنها أربع آيات ، فلو كانت بسم الله الرحمن الرحيم منها لكانت خمسا ، وكذلك الملك أجمعوا على أنها ثلاثون آية

ودليلنا رواية ابن جريج عن ابن أبي مليكة ، عن أم سلمة أنها قالت : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب بعد بسم الله الرحمن الرحيم ، آية الحمد لله رب العالمين ، آية الرحمن الرحيم ، آية مالك يوم الدين ، آية إياك نعبد وإياك نستعين ، آية اهدنا الصراط المستقيم ، آية صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آية ، وهذا نص

وروى أبو سعيد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الحمد لله رب العالمين سبع آيات [ ص: 106 ] أولاهن بسم الله الرحمن الرحيم وهي السبع المثاني وهي فاتحة الكتاب ، وأم القرآن وروى عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لقد أنزلت علي آية لم تنزل على أحد قبلي إلا على أخي سليمان بن داود ، فقال : ما هي يا رسول الله . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : بم تستفتح قراءة الفاتحة ؟ فقال : ببسم الله الرحمن الرحيم . فقال صلى الله عليه وسلم : " هي هي وروى أبي بن كعب نحوه

وروى فضيل بن عياض عن المختار بن فلفل ، عن أنس يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنزلت علي آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر . . . حتى ختمها ، قال : هل تدرون ما الكوثر ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : فإنه نهر وعدنيه الله ، عز وجل ، في الجنة وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف فضل السورة حين ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم ذكره أبو داود

وهذا دل على أنها من كل سورة ، وكذلك روى عن ابن عباس أنه قال : " من ترك بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية ، يعني : أنها آية من كل سورة ويدل على ذلك من طريق الإجماع ما روي أنه لما كثر القتل في المسلمين يوم اليمامة في قتال مسيلمة قال عمر بن الخطاب لأبي بكر ، رضي الله عنهما : أرى القتل قد استمر في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني أخشى أن يذهب القرآن ، فلو جمعته . فقال أبو بكر ، رضي الله عنه ، لزيد بن ثابت : اجمعه . فجمعه زيد بن ثابت بمحضر من الصحابة ورفاقهم في مصحف ، فكان عند أبي بكر ، رضي الله عنه ، مدة حياته ثم عند عمر ، رضي الله عنه ، بعده فلما مات عمر ، رضي الله عنه ، دفعه إلى ابنته حفصة حتى قدم حذيفة بن اليمان من العراق على عثمان ، وذكر له اختلاف الناس في القرآن فأخذ عثمان ، رضي الله عنه ، المصحف من حفصة وكتب منه ست نسخ ، وأنفذ كل مصحف إلى بلد ، وأمر الناس بالرجوع إليه فأجمعوا على أن ما بين الدفتين قرآن وكانت بسم الله الرحمن الرحيم مكتوبة في أول كل سورة بخط المصحف دل إجماعهم على أنها من كل سورة

فإن قيل : فقد أثبت في المصحف أسماء السور ، وذكر الأعشار ولم يكن ذلك دالا على أنه من القرآن ففيه جوابان :

[ ص: 107 ] أحدهما : أن هذا أحدثه الحجاج في زمانه فلم يكن به اعتبار

والثاني : أنهم فصلوا بين هذا ، وبين السورة فأثبتوا الأسماء ، والأعشار بغير خط المصحف ليمتاز عن القرآن لعلمهم أن ما كان بخطه فهو من القرآن ، فإن قيل : فلو كانت من القرآن لكان جاحدها كافرا كمن جحد الفاتحة . قيل : فلو لم تكن من القرآن لكان من أثبتها منه كافرا كمن أثبت غير ذلك . ومع هذا فإن ابن مسعود أنكر المعوذتين أن تكون من [ ص: 108 ] القرآن فلم يكفر ، ولم يدل هذا على أنها غير قرآن ، ولأن الفاتحة سبع آيات بالنص ، والإجماع فمن أثبت بسم الله الرحمن الرحيم منها جعل أول الآية السابعة : صراط الذين أنعمت عليهم ومن نفاها جعل أول الآية السابعة : غير المغضوب فكان إثباتها أولى من وجهين :

أحدهما : ليكون الكلام فى السابعة تاما مستقلا

والثاني : أن لا يكون الابتداء في السابعة بقوله غير المغضوب عليهم : لأنه لفظ استثناء ، وليس في القرآن آية مبتدأة به

فأما الجواب عن حديث أنس بن مالك وعائشة ، رضي الله عنهما ، فالمراد به سورة الحمد لله رب العالمين

وأما الجواب عن نزول جبريل ، عليه السلام ، بسورة اقرأ باسم ربك فهو : أن السورة قد كانت تنزل في مرات وبسم الله الرحمن الرحيم في أوائل السور تنزل بعد نزول كثير من القرآن ، وقد روى ابن عباس ذلك على ما ذكرنا ، وأما قولهم إن إثبات محلها لا يكون إلا بالاستفاضة

فالجواب عنه : أنه قد ثبت محلها تلاوة بالإجماع [ وحكما ] بالاستفاضة

وأما الجواب عن استدلالهم بالإجماع على أن سورة قل هو الله أحد أربع آيات فمن وجهين :

أحدهما : أنهم أشاروا إلى ما سوى بسم الله الرحمن الرحيم

والثاني : أنه يجوز أن يكونوا جعلوها مع الآية الأولى واحدة

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث