الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ وسننه ] [ ص: 103 ] أفاد أنه لا واجب للوضوء ولا للغسل وإلا لقدمه ، وجمعها لأن كل سنة مستقلة بدليل وحكم . [ ص: 104 ] وحكمها ما يؤجر على فعله ويلام على تركه ، وكثيرا ما يعرفون به لأنه محط مواقع أنظارهم . وعرفها الشمني بما ثبت بقوله عليه الصلاة والسلام أو بفعله وليس بواجب ولا مستحب لكنه تعريف لمطلقها ، والشرط في المؤكدة المواظبة مع ترك ولو حكما ، لكن شأن الشروط أن لا تذكر في التعاريف . [ ص: 105 ] وأورد عليه في البحر المباح بناء على ما هو المنظور من أن الأصل في الأشياء التوقف ، إلا أن الفقهاء كثيرا ما يلهجون بأن الأصل الإباحة فالتعريف بناء عليه .

التالي السابق


( قوله : وسننه إلخ ) اعلم أن المشروعات أربعة أقسام ، فرض وواجب وسنة ونفل ، فما كان فعله أولى من تركه مع منع الترك إن ثبت بدليل قطعي ففرض ، أو بظني فواجب ، وبلا منع الترك إن كان مما واظب عليه الرسول صلى الله عليه وسلم أو الخلفاء الراشدون من بعده فسنة ، وإلا فمندوب ونفل . [ ص: 103 ] مطلب في السنة وتعريفها

، والسنة نوعان : سنة الهدي ، وتركها يوجب إساءة وكراهية كالجماعة والأذان والإقامة ونحوها . وسنة الزوائد ، وتركها لا يوجب ذلك كسير النبي عليه الصلاة والسلام في لباسه وقيامه وقعوده . والنفل ومنه المندوب يثاب فاعله ولا يسيء تاركه ، قيل : وهو دون سنن الزوائد .

ويرد عليه أن النفل من العبادات وسنن الزوائد من العادات ، وهل يقول أحد إن نافلة الحج دون التيامن في التنعل والترجل ، كذا حققه العلامة ابن الكمال في تغيير التنقيح وشرحه .

أقول : فلا فرق بين النفل وسنن الزوائد من حيث الحكم ; لأنه لا يكره ترك كل منهما ، وإنما الفرق كون الأول من العبادات والثاني من العادات ، لكن أورد عليه أن الفرق بين العبادة والعادة هو النية المتضمنة للإخلاص ، كما في الكافي وغيره ، وجميع أفعاله صلى الله عليه وسلم مشتملة عليها كما بين في محله .

وأقول : قد مثلوا لسنة الزوائد أيضا { بتطويله عليه الصلاة والسلام القراءة والركوع والسجود } ، ولا شك في كون ذلك عبادة ، وحينئذ فمعنى كون سنة الزوائد عادة أن النبي صلى الله عليه وسلم واظب عليها حتى صارت عادة له ولم يتركها إلا أحيانا ; لأن السنة هي الطريقة المسلوكة في الدين ، فهي في نفسها عبادة وسميت عادة لما ذكرنا . ولما لم تكن من مكملات الدين وشعائره سميت سنة الزوائد ، بخلاف سنة الهدي ، وهي السنن المؤكدة القريبة من الواجب التي يضلل تاركها ; لأن تركها استخفاف بالدين ، وبخلاف النفل فإنه كما قالوا ما شرع لنا زيادة على الفرض والواجب والسنة بنوعيها ; ولذا جعلوا قسما رابعا ، وجعلوا منه المندوب والمستحب ، وهو ما ورد به دليل ندب يخصه ، كما في التحرير ; فالنفل ما ورد به دليل ندب عموما أو خصوصا ولم يواظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم ; ولذا كان دون سنة الزوائد ، كما صرح به في التنقيح . وقد يطلق النفل على ما يشمل السنن الرواتب ، ومنه قوله : باب الوتر والنوافل ، ومنه تسمية الحج نافلة لأن النفل الزيادة ، وهو زائد على الفرض مع أنه من شعائر الدين العامة ، ولا شك أنه أفضل من تثليث غسل اليدين في الوضوء ومن رفعهما للتحريمة مع أنهما من السنن المؤكدة ، فتعين ما قلنا

، وبه اندفع ما أورده ابن الكمال ، فاغتنم تحقيق هذا المحل فإنك لا تجده في غير هذا الكتاب ، والله تعالى أعلم بالصواب ( قوله : أفاد إلخ ) حيث ذكر السنن عقب الأركان هنا وفي الغسل ولم يذكر لهما واجبا ، ولو لم يكن كلامه مفيدا ذلك لقدم ذكر الواجب على السنن ; لأنه أقوى ، فمقتضى الصناعة تقديمه .

وأراد بالواجب ما كان دون الفرض في العمل ، وهو أضعف نوعي الواجب ، لا ما يشمل النوع الآخر ، وهو ما كان في قوة الفرض في العمل ، لأن غسل المرفقين والكعبين ومسح ربع الرأس من هذا النوع الثاني ، وكذا غسل الفم والأنف في الغسل ; لأن ذلك ليس من الفرض القطعي الذي يكفر جاحده ، تأمل . ثم رأيت التصريح بذلك في شرح الدرر للشيخ إسماعيل . واحترز بقوله للوضوء وللغسل عن نفس الوضوء والغسل ، فإن الوضوء يكون فرضا وواجبا وسنة ونفلا كما قدمه الشارح ، وكذا الغسل على ما يأتي في محله ( قوله : وجمعها ) أي السنن حيث أتى بها بصيغة الجمع ، ولم يأت بها مفردة كما قال في الكنز وسنته .

( قوله : مستقلة بدليل وحكم ) قال ابن الكمال ، أما الأول فظاهر عند من تأمل في الهداية وسائر الكتب المطولة ، وأما الثاني فلأن ما يترتب على فعل السنة وتركها من الثواب والعقاب يترتب على كل فعل منها وتركه منفردة كانت أو مجتمعة مع أخواتها ، وليس الأمر في الفرض كذلك ، فإن فرض الوضوء مجموع غسل الأعضاء الثلاثة ومسح [ ص: 104 ] الرأس ، لا أن كلا منها فرض مستقل يترتب على فعله وتركه حكم الفرض ; ولذلك آثر فيه صيغة المفرد ، ومن لم يتنبه لهذه الدقيقة الأنيقة سلك في الموضعين مسلك الإفراد ا هـ .

وعلى هذا فكان الأنسب للمصنف أن يقول فيما مر : وركن الوضوء بالإفراد لاتحاد الدليل وهو الآية ، واتحاد الحكم بدليل فساد البعض بترك البعض قاله في البحر فافهم ( قوله : ما يؤجر إلخ ) ما مصدرية لا موصولة أو موصوفة واقعة على السنة ; لأن الحكم الثابت لها الأجر واللوم على الفعل والترك ، وليس الحكم هو الفعل الذي يؤجر عليه ، إلا أن يقال إنها موصولة أو موصوفة واقعة على الأجر ، والعائد محذوف : أي الأجر الذي يؤجره ; وعلى كل ; فالمناسب تأنيث الضمير في فعله وتركه ، فافهم ( قوله : ويلام ) أي يعاتب بالتاء لا يعاقب ، كما أفاده في البحر والنهر ، لكن في التلويح ترك السنة المؤكدة قريب من الحرام يستحق حرمان الشفاعة ، لقوله عليه الصلاة والسلام { : من ترك سنني لم ينل شفاعتي } . ا هـ . وفي التحرير : إن تاركها يستوجب التضليل واللوم ، . ا هـ . والمراد الترك بلا عذر على سبيل الإصرار كما في شرح التحرير لابن أمير حاج ، ويؤيده ما سيأتي في سنن الوضوء من أنه لو اكتفى بالغسل مرة إن اعتاده أثم ، وإلا لا .

وفي البحر من باب صفة الصلاة : الذي يظهر من كلام أهل المذهب أن الاسم منوط بترك الواجب أو السنة المؤكدة على الصحيح ; لتصريحهم بأن من ترك سنن الصلوات الخمس قيل : لا يأثم والصحيح أنه يأثم ، ذكره في فتح القدير ، وتصريحهم بالإثم لمن ترك الجماعة مع أنها سنة مؤكدة على الصحيح وكذا في نظائره لمن تتبع كلامهم ، ولا شك أن الإثم مقول بالتشكيك بعضه أشد من بعض ، فالإثم لتارك السنة المؤكدة أخف من الإثم لتارك الواجب . ا هـ . قال في النهر هناك : ويؤيده ما في الكشف الكبير معزيا إلى أصول أبي اليسر : حكم السنة أن يندب إلى تحصيلها ، ويلام على تركها مع لحوق إثم يسير .

( قوله : وكثيرا إلخ ) مفعول مطلق وما زائدة لتأكيد الكثرة : أي ويعرفون بالحكم تعريفا كثيرا ( قوله : لأنه إلخ ) المحط : موضع الحط مقابل الرفع ، ومواقع جمع موقع مصدر ميمي بمعنى الوقوع والأنظار جمع نظر : بمعنى التأمل والتفكير أي لأن الحكم هو محل وقوع أنظارهم ، أي أنه المقصود للفقهاء ( قوله : وعرفها الشمني ) أي عرف السنة اصطلاحا ، أما هي لغة فالطريقة مطلقا ولو قبيحة ط ( قوله : أو بفعله ) ينبغي زيادة أو تقريره إلا أنه داخل في الفعل ; لأنه عدم النهي عما يقع بين يديه عليه الصلاة والسلام ، يعني أنه كف ، والكف فعل من أفعال النفس ط ( قوله : وليس بواجب ) مراده به ما يعم الفرض ط ( قوله : لكنه تعريف لمطلقها ) أي لمطلق السنة الشامل لقسميها ، وهما السنة المؤكدة المسماة سنة الهدي ، وغير المؤكدة المسماة سنة الزوائد .

وأما المستحب المرادف للنفل والمندوب فهو قسيم لها لا قسم منها ، كما قدمناه ، فافهم ، وأفاد بالاستدراك أن المراد من السنة هنا هو القسم الأول ، وبه صرح في النهر تأمل ( قوله : ولو حكما ) كعدم الإنكار على من لم يفعل ; لأنه ينزل منزلة الترك حقيقة ، فدخل الاعتكاف في العشر الأخير من رمضان ; لأنه عليه الصلاة والسلام وإن واظب عليه من غير ترك ومقتضاها وجوب الاعتكاف ، لكن لما لم ينكر عليه الصلاة والسلام على من لم يعتكف كان ذلك منزلا منزلة الترك حقيقة ، والمراد أيضا المواظبة ولو حكما لتدخل التراويح ، فإنه صلى الله عليه وسلم بين العذر في التخلف عنها ، وهو خوف أن تفرض علينا ط عن أبي السعود ، ومفاده أن المواظبة بلا ترك تفيد الوجوب .

قال في البحر : وظاهر الهداية يخالف ، فإنه في الاستدلال على سنية المضمضة والاستنشاق [ ص: 105 ] قال : لأنه عليه الصلاة والسلام فعلهما على المواظبة ، ثم قال في البحر : والذي ظهر للعبد الضعيف أن السنة ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن إن كانت لا مع الترك فهي دليل السنة المؤكدة ، وإن كانت مع الترك أحيانا فهي دليل غير المؤكدة ، وإن اقترنت بالإنكار على من لم يفعله فهي دليل الوجوب ، فافهم هذا فإن به يحصل التوفيق . ا هـ . قال في النهر : وينبغي أن يقيد هذا بما إذا لم يكن ذلك المواظب عليه مما اختص وجوبه به عليه الصلاة والسلام ; أما إذا كان كصلاة الضحى فإن عدم الإنكار على من لم يفعل لا يصح أن ينزل منزلة الترك ، ولا بد أن يقيد الترك بكونه لغير عذر كما في التحرير ; ليخرج المتروك لعذر كالقيام المفروض .

وكأنه إنما تركه لأن الترك لعذر لا يعد تركا . ا هـ . ( قوله : وأورد عليه إلخ ) أي على تعريف الشمني ، وحاصله النقض بعدم المنع لأنه إذا كان الأصل في الأشياء التوقف ، بمعنى عدم العلم بالحكم ، هل هو الإباحة أو الحظر ؟ لا تعلم إباحة المباح إلا بقوله عليه الصلاة والسلام أو فعله ، فيدخل في تعريف السنة ، إلا أن يزاد في التعريف ولا مباح . قال ط : وكذا يرد المباح على القول بأن الأصل الحظر ( قوله : إلا أن الفقهاء إلخ ) جواب عن الإيراد . قال في الصحاح : اللهج بالشيء الولوع به ، وقد لهج بالكسر يلهج لهجا : إذا غري به . ا هـ . والمعنى أنهم ينطقون به كثيرا

ط . مطلب المختار أن الأصل في الأشياء الإباحة

أقول : وصرح في التحرير بأن المختار أن الأصل الإباحة عند الجمهور من الحنفية والشافعية ا هـ وتبعه تلميذه العلامة قاسم ، وجرى عليه في الهداية من فصل الحداد ، وفي الخانية من أوائل الحظر والإباحة . وقال في شرح التحرير : وهو قول معتزلة البصرة وكثير من الشافعية وأكثر الحنفية لا سيما العراقيين . قالوا : وإليه أشار محمد فيمن هدد بالقتل على أكل الميتة أو شرب الخمر فلم يفعل حتى قتل بقوله : خفت أن يكون آثما ; لأن أكل الميتة وشرب الخمر لم يحرما إلا بالنهي عنهما ، فجعل الإباحة أصلا والحرمة بعارض النهي . ا هـ .

ونقل أيضا أنه قول أكثر أصحابنا وأصحاب الشافعي للشيخ أكمل الدين في شرح أصول البزدوي ، وبه علم أن قول الشارح في باب استيلاء الكفار أن الإباحة رأي المعتزلة فيه نظر ، فتدبر ( قوله : فالتعريف بناء عليه ) أي على أن الأصل الإباحة .

أقول : هذا الجواب نافع فيما سكت عنه الشارع ، وبقي على الإباحة الأصلية ، أما ما نص على إباحته أو فعله عليه الصلاة والسلام فلا ينفع ، وقد نص في التحرير على أن المباح يطلق على متعلق الإباحة الأصلية كما يطلق على متعلق الإباحة الشرعية .

فالأحسن في الجواب أن يقال : المراد بقوله في التعريف ما ثبت ثبوت طلبه لا ثبوت شرعيته ، والمباح غير مطلوب الفعل ، وأنما هو مخير فيه .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث