الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الباب الثاني

في المطلق الجائز الطلاق

- واتفقوا على أنه الزوج العاقل البالغ الحر غير المكره ، واختلفوا في طلاق المكره والسكران وطلاق المريض وطلاق المقارب للبلوغ .

واتفقوا على أنه يقع طلاق المريض إن صح ، واختلفوا هل ترثه إن مات أم لا ؟ .

فأما طلاق المكره : فإنه غير واقع عند مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وداود وجماعة ، وبه قال عبد الله بن عمر ، وابن الزبير ، وعمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وابن عباس . وفرق أصحاب الشافعي بين أن ينوي الطلاق أو لا ينوي شيئا ، فإن نوى الطلاق فعنهم قولان : أصحهما لزومه ، وإن لم ينو فقولان : أصحهما أنه لا يلزم . وقال أبو حنيفة وأصحابه : هو واقع . وكذلك عتقه دون بيعه ، ففرقوا بين البيع والطلاق والعتق .

وسبب الخلاف : هل المطلق من قبل الإكراه مختار أم ليس بمختار ؟ لأنه ليس يكره على اللفظ إذ كان اللفظ إنما يقع باختياره . والمكره على الحقيقة هو الذي لم يكن له اختيار في إيقاع الشيء أصلا . وكل واحد من الفريقين يحتج بقوله عليه الصلاة والسلام : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " . ولكن الأظهر أن المكره على الطلاق وإن كان موقعا للفظ باختياره أنه ينطلق عليه في الشرع اسم المكره لقوله تعالى : ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) .

وإنما فرق أبو حنيفة بين البيع والطلاق ، لأن الطلاق مغلظ فيه ، ولذلك استوى جده وهزله .

وأما طلاق الصبي : فإن المشهور عن مالك أنه لا يلزمه حتى يبلغ ; وقال في مختصر ما ليس في المختصر : أنه يلزمه إذا ناهز الاحتلام ، وبه قال أحمد بن حنبل إذا هو أطاق صيام رمضان . وقال عطاء : إذا بلغ اثنتي عشرة سنة جاز طلاقه ، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

وأما طلاق السكران : فالجمهور من الفقهاء على وقوعه . وقال قوم : لا يقع ، منهم المزني وبعض أصحاب أبي حنيفة .

والسبب في اختلافهم : هل حكمه حكم المجنون ، أم بينهما فرق ؟ .

فمن قال هو والمجنون سواء ، إذ كان كلاهما فاقدا للعقل ; ومن شرط التكليف العقل قال : لا يقع . ومن قال : الفرق بينهما أن السكران أدخل الفساد على عقله بإرادته ; والمجنون بخلاف ذلك، ألزم السكران الطلاق ، وذلك من باب التغليظ عليه .

واختلف الفقهاء فيما يلزم السكران بالجملة من الأحكام وما لا يلزمه ، فقال مالك : يلزمه الطلاق والعتق والقود من الجراح والقتل ، ولم يلزمه النكاح ولا البيع . وألزمه أبو حنيفة كل شيء . وقال الليث : [ ص: 461 ] كل ما جاء من منطق السكران فموضوع عنه ، ولا يلزمه طلاق ولا عتق ولا نكاح ولا بيع ولا حد في قذف ، وكل ما جنته جوارحه فلازم له ، فيحد في الشرب والقتل والزنى والسرقة . وثبت عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه كان لا يرى طلاق السكران ، وزعم بعض أهل العلم أنه لا مخالف لعثمان في ذلك من الصحابة .

وقول من قال : إن كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه ليس نصا في إلزام السكران الطلاق لأن السكران معتوه ما ، وبه قال داود ، وأبو ثور ، وإسحاق وجماعة من التابعين ( أعني : أن طلاقه ليس يلزم ) . وعن الشافعي القولان في ذلك ، واختار أكثر أصحابه قوله الموافق للجمهور ، واختار المزني من أصحابه : إن طلاقه غير واقع .

وأما المريض الذي يطلق طلاقا بائنا ويموت من مرضه ، فإن مالكا وجماعة يقول : ترثه زوجته . والشافعي وجماعة لا يورثها .

والذين قالوا بتوريثها انقسموا ثلاث فرق :

ففرقة قالت : لها الميراث ما دامت في العدة ، وممن قال بذلك أبو حنيفة وأصحابه والثوري .

وقال قوم : لها الميراث ما لم تتزوج ، وممن قال بهذا أحمد ، وابن أبي ليلى .

وقال قوم : بل ترث كانت في العدة أو لم تكن ، تزوجت أم لم تتزوج ، وهو مذهب مالك ، والليث .

وسبب الخلاف : اختلافهم في وجوب العمل بسد الذرائع ، وذلك أنه لما كان المريض يتهم في أن يكون إنما طلق في مرضه زوجته ليقطع حظها من الميراث . فمن قال بسد الذرائع أوجب ميراثها ; ومن لم يقل بسد الذرائع ولحظ وجوب الطلاق لم يوجب لها ميراثا ، وذلك أن هذه الطائفة تقول : إن كان الطلاق قد وقع فيجب أن يقع بجميع أحكامه ، لأنهم قالوا : إنه لا يرثها إن ماتت وإن كان لم يقع فالزوجية باقية بجميع أحكامها ، ولا بد لخصومهم من أحد الجوابين ، لأنه يعسر أن يقال إن في الشرع نوعا من الطلاق توجد له بعض أحكام الطلاق وبعض أحكام الزوجية .

وأعسر من ذلك القول بالفرق بين أن يصح أو لا يصح ، لأن هذا يكون طلاقا موقوف الحكم إلى أن يصح أو لا يصح ، وهذا كله مما يعسر القول به في الشرع ، ولكن إنما أنس القائلون به أنه فتوى عثمان وعمر ، حتى زعمت المالكية أنه إجماع الصحابة ، ولا معنى لقولهم فإن الخلاف فيه عن ابن الزبير مشهور .

وأما من رأى أنها ترث في العدة ، فلأن العدة عنده من بعض أحكام الزوجية ، وكأنه شبهها بالمطلقة الرجعية ، وروي هذا القول عن عمر ، وعن عائشة .

وأما من اشترط في توريثها ما لم تتزوج فإنه لحظ في ذلك إجماع المسلمين على أن المرأة الواحدة لا ترث زوجين ، ولكون التهمة هي العلة عند الذين أوجبوا الميراث .

واختلفوا إذا طلبت هي الطلاق ، أو ملكها أمرها الزوج فطلقت نفسها ، فقال أبو حنيفة : لا ترث أصلا . وفرق الأوزاعي بين التمليك والطلاق فقال : ليس لها ميراث في التمليك ، ولها في الطلاق . وسوى مالك في ذلك كله ، حتى لقد قال : إن ماتت لا يرثها ، وترثه هي إن مات ، وهذا مخالف للأصول جدا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث