الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

اقتداء المسافر بالمقيم

قال : ( رجل أسلم في دار الحرب فمكث فيها شهرا ولم يصل ولم يعلم أن عليه الصلاة فليس عليه قضاؤها ) ، وقال زفر رحمه الله تعالى عليه قضاؤها ; لأن بقبول الإسلام صار ملتزما لما هو من أحكامه ولكن قصر عنه خطاب الأداء لجهله به ، وذلك غير مسقط للقضاء بعد تقرر السبب الموجب ، كالنائم إذا انتبه بعد مضي وقت الصلاة عليه . وجه قولنا أن ما يجب بخطاب الشرع لا يثبت حكمه في حق المخاطب قبل علمه به ، ألا ترى أن أهل قباء افتتحوا الصلاة إلى بيت المقدس بعد فرضية التوجه إلى الكعبة وجوز لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لم يبلغهم . وشرب بعض الصحابة الخمر بعد نزول تحريمها قبل علمه بذلك ، وفيه نزل قوله تعالى { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } وهذا لأن الخطاب بحسب الوسع وليس في وسع المخاطب الائتمار قبل العلم ، فلو ثبت حكم الخطاب في حقه كان فيه من الحرج ما لا يخفى ، ولهذا قلنا : إن عزل الوكيل والحجر على المأذون لا يثبت في حقه ما لم يعلم ، ( وإن كان ذميا أسلم في دار الإسلام فعليه قضاؤها استحسانا ) ، وفي القياس لا قضاء عليه أيضا وهو الحد لما بينا . ووجه الاستحسان هو أن الخطاب شائع في دار الإسلام فيقوم شيوع الخطاب مقام العلم ; لأنه ليس في وسع المبلغ أن يبلغ كل أحد إنما الذي وسعه أن يجعل الخطاب شائعا ، وهذا لأنه في دار الإسلام يسمع الأذان [ ص: 246 ] والإقامة ويرى شهود الناس الجماعات في كل وقت ، فإنما يشتبه عليه ما لا يشتبه ، ولأن في دار الإسلام يجد من يسأل منه ، فترك السؤال تقصير منه بخلاف دار الحرب ، فإن بلغه في دار الحرب رجل واحد فعليه القضاء فيما ترك بعد ذلك عندهما وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى ما لم يخبره رجلان أو رجل وامرأتان لا يلزمه القضاء ; لأن هذا خبر ملزم ، ومن أصله اشتراط العدد في الخبر الملزم ، كما قال في حق الحجر على المأذون وعزل الوكيل والإخبار بجناية العبد . وجه الرواية الأخرى وهو الأصح أن كل أحد مأمور من صاحب الشرع بالتبليغ قال عليه الصلاة والسلام : { نضر الله امرأ سمع منا مقالة فوعاها كما سمعها ثم أداها إلى من لم يسمعها } فهذا المبلغ نظير الرسول من المولى والموكل ، وخبر الرسول هناك ملزم فههنا كذلك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث