الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


القسم الثاني

[ في معرفة أحكام العدة ]

وأما النظر في أحكام العدة : فإنهم اتفقوا على أن للمعتدة الرجعية النفقة والسكنى ، وكذلك الحامل ، لقوله تعالى في الرجعيات : ( أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ) الآية ، ولقوله تعالى : ( وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ) .

واختلفوا في سكنى المبتوتة ونفقتها إذا لم تكن حاملا على ثلاثة أقوال :

أحدها : أن لها السكنى والنفقة ، وهو قول الكوفيين .

والقول الثاني أنه لا سكنى لها ولا نفقة ، وهو قول أحمد ، وداود ، وأبي ثور ، وإسحاق وجماعة .

[ ص: 471 ] والثالث أن لها السكنى ، ولا نفقة لها ، وهو قول مالك والشافعي وجماعة .

وسبب اختلافهم : اختلاف الرواية في حديث فاطمة بنت قيس ، ومعارضة ظاهر الكتاب له :

فاستدل من لم يوجب لها نفقة ولا سكنى بما روي في حديث فاطمة بنت قيس أنها قالت : " طلقني زوجي ثلاثا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة " خرجه مسلم . وفي بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنما السكنى والنفقة لمن لزوجها عليها الرجعة " . وهذا القول مروي عن علي ، وابن عباس وجابر بن عبد الله .

وأما الذين أوجبوا لها السكنى دون النفقة : فإنهم احتجوا بما رواه مالك في موطئه من حديث فاطمة المذكورة ، وفيه : " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس لك عليه نفقة وأمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم " ولم يذكر فيها إسقاط السكنى ، فبقي على عمومه في قوله تعالى : ( أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ) وعللوا أمره عليه الصلاة والسلام بأن تعتد في بيت ابن أم مكتوم بأنه كان في لسانها بذاء .

وأما الذين أوجبوا لها السكنى والنفقة : فصاروا إلى وجوب السكنى لها بعموم قوله تعالى : ( أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ) . وصاروا إلى وجوب النفقة لها لكون النفقة تابعة لوجوب الإسكان في الرجعية وفي الحامل وفي نفس الزوجية .

وبالجملة : فحيثما وجبت السكنى في الشرع وجبت النفقة . وروي عن عمر أنه قال في حديث فاطمة هذا : لا ندع كتاب نبينا وسنته لقول امرأة ، يريد قوله تعالى : ( أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ) الآية . ولأن المعروف من سنته عليه الصلاة والسلام أنه أوجب النفقة حيث تجب السكنى ، فلذلك الأولى في هذه المسألة إما أن يقال : إن لها الأمرين جميعا مصيرا إلى ظاهر الكتاب والمعروف من السنة ، وإما أن يخصص هذا العموم بحديث فاطمة المذكور .

وأما التفريق بين إيجاب النفقة والسكنى فعسير ، ووجه عسره ضعف دليله .

وينبغي أن تعلم أن المسلمين اتفقوا على أن العدة تكون في ثلاثة أشياء : في طلاق ، أو موت ، أو اختيار الأمة نفسها إذا أعتقت . واختلفوا فيها في الفسوخ ، والجمهور على وجوبها .

ولما كان الكلام في العدة يتعلق فيه أحكام عدة الموت رأينا أن نذكرها هاهنا ، فنقول :

[ المسألة الأولى ]

[ عدة المتوفى عنها زوجها إن كانت غير حامل ]

إن المسلمين اتفقوا على أن عدة الحرة من زوجها الحر أربعة أشهر وعشر ، لقوله تعالى : ( يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ) . واختلفوا في عدة الحامل ، وفي عدة الأمة إذا لم تأتها حيضتها في الأربعة الأشهر وعشر فماذا حكمها ؟ .

فذهب مالك إلى أن من شرط تمام هذه العدة أن تحيض حيضة واحدة في هذه المدة ، فإن لم تحض فهي عنده مسترابة ، فتمكث مدة الحمل . وقيل عنه : إنها قد لا تحيض ، وقد لا تكون مسترابة ، وذلك إذا كانت عادتها في الحيض أكثر من مدة العدة ، وهذا إما غير موجود ( أعني : من تكون عادتها أن تحيض أكثر [ ص: 472 ] من أربعة أشهر إلى أكثر من أربعة أشهر ) وإما نادر . واختلف عنه فيمن هذه حالها من النساء إذا وجدت ، فقيل : تنتظر حتى تحيض . وروى عنه ابن القاسم : تتزوج إذا انقضت عدة الوفاة ولم يظهر بها حمل . وعلى هذا جمهور فقهاء الأمصار أبي حنيفة ، والشافعي والثوري .

[ المسألة الثانية ]

[ عدة الحامل التي يتوفى عنها زوجها ]

وأما المسألة الثانية ( وهي الحامل التي يتوفى عنها زوجها ) : فقال الجمهور وجميع فقهاء الأمصار : عدتها أن تضع حملها ، مصيرا إلى عموم قوله تعالى : ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) . وإن كانت الآية في الطلاق . وأخذا أيضا بحديث أم سلمة أن سبيعة الأسلمية ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر وفيه : " فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها : قد حللت فانكحي من شئت " . وروى مالك عن ابن عباس أن عدتها آخر الأجلين ، يريد أنها تعتد بأبعد الأجلين : إما الحمل ، وإما انقضاء العدة عدة الموت ، وروي مثل ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، والحجة لهم أن ذلك هو الذي يقتضيه الجمع بين عموم آية الحوامل وآية الوفاة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث