الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في لفظ القنوت وهيئته ومحله

فصل : وأما الفصل الثاني : من هيئة الجهر والإسرار ، فإن كان المصلي منفردا أسر به ، وإن كان إماما فعلى وجهين :

أحدهما : يسر به ، لأنه دعاء وموضوعه الإسرار قال الله تعالى : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها [ الإسراء : 11 ]

والوجه الثاني : يجهر به كما يجهر بقول سمع الله لمن حمده ، لكن دون جهر القراءة ، فإذا قيل إن الإمام يسر في القنوت قنت المأموم خلفه سرا ، وإن قيل يجهر به سكت المأموم مستمعا لم تفسد صلاته ، لأنه ذكر مشروع ، ولو سكت وقد أمر بالقنوت لم يلزمه سجود السهو ، لأنه خلف الإمام ، ولكن لو تركه الإمام والمنفرد ناسيا فعليه سجود السهو ، ولو تركه عامدا كان في سجود السهو وجهان :

أحدهما : لا سجود عليه للسهو ، لأنه ليس بساه

والثاني : عليه سجود السهو ، لأنه لما لزمه الساهي كان العامد أولى به

فأما الفصل الثالث : في محل القنوت فمحله بعد الركوع إذا فرغ من قول سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد فحينئذ يقنت

وقال أبو حنيفة ، ومالك ، والأوزاعي : يقنت قبل الركوع بعد فراغه من القراءة إلا أن أبا حنيفة يقول يكبر ويقنت

وقال مالك : يقنت من غير تكبير ، واستدلوا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت قبل الركوع ، وبأن عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، قنت قبل الركوع

ودليلنا رواية أيوب عن محمد بن سيرين عن أنس أنه سئل هل قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح ؟ فقال : نعم فقيل له : قبل الركوع أو بعده ؟ قال : بعد الركوع بيسير

وروى أبو هريرة وخفاف بن إيماء أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع ، ولأن القنوت دعاء ، ومحل الدعاء بعد الركوع فوجب أن يؤتى به في محله ، ولأن ما شرع من الذكر قبل الركوع فمحله قبل القراءة كالتوجه والاستعاذة ، فلما ثبت أن القنوت لا يتقدم القراءة ثبت أنه لا يتقدم الركوع ، فأما ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قنت قبل الركوع فلا أصل له ، وأما قنوت عثمان ، رضي الله عنه ، قبل الركوع فقد كان يقنت قبل الركوع زمانا طويلا ، ثم قال قد كثر الناس فأرى أن يكون القنوت قبل الركوع ليلحق الناس الركعة ولا تفوتهم ، وكان هذا منه رأيا رآه ، وقد قنت أبو بكر ، وعمر ، رضي الله عنه ، بعد الركوع ، فإذا ثبت أن محل القنوت بعد الركوع فإن خالف وقنت قبل الركوع ، فإن كان مالكيا يرى ذلك مذهبه أجزأه ولا سجود للسهو عليه وإن كان شافعيا لا يراه مذهبا ففي إجزائه وجهان :

[ ص: 155 ] أحدهما : أنه يجزئه ، ولا سجود للسهو عليه لموضع الاختلاف فيه

والوجه الثاني : لا يجزئه لتقديمه قبل محله كتقديمه التسبيح ، فعلى هذا يعيد القنوت بعد الركوع ، وفي سجوده للسهو وجهان :

أحدهما : عليه سجود السهو ، لأنه أوقع القنوت في غير محله فصار كمن قدم التشهد الأول قبل محله

والوجه الثاني : لا سجود للسهو عليه ، لأنه ذكر فلم يلزمه في تقديمه على محله سجود السهو كالتسبيح

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث