الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب كل الرجل يستصنع الشيء

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ولو أسلم غزلا إلى حائك لينسج له سبعا في أربع فحاكه أكثر من ذلك ، أو أصغر فهو بالخيار إن شاء ضمنه مثل غزله وسلم له الثوب ، وإن شاء أخذ ثوبه وأعطاه الأجر إلا في النقصان ; فإنه يعطيه الأجر بحساب ذلك ولا يجاوز به ما سمى له ، أما ثبوت الخيار له فلتغيير شرط العقد ; لأنه إن حاكه أكثر مما سمي فهو أرق مما سمي ، وإن حاكه أصغر مما سمي فهو أصفق مما سمي هذا إذا كان قدر له الغزل ، وإن لم يكن قدره له فإذا حاكه أكثر مما سمى فقد زاد فيما استعمله من غزله على ما سمى ، وإن كان أصغر من ذلك فقد نقص عن ذلك فلتغير شرط العقد ثبت له الخيار إن شاء مال إلى جهة الخلاف وجعله كالغاصب فضمنه غزلا مثل غزله والثوب للحائك ولا أجر له عند ذلك بمنزلة من غصب غزلا ونسجه ، وإن شاء رضي بعمله لكونه موافقا له في أصله ، وإن خالف في صفته وأعطاه الأجر إلا في النقصان

فأما إذا أراد فقد أتى بالعمل المشروط وزيادة فيعطيه الأجر المسمى وفي الزيادة لم يوجد ما يقومه وهو التسمية فلا يطالبه بشيء من ذلك وأما في النقصان قال : يعطيه من الأجر بحساب ذلك ومعنى هذا الكلام أنه ينظر إلى تكسير ما شرط عليه وتكسير ما جاء به فالمشروط عليه سبع في أربعة فذلك ثمانية وعشرون ذراعا والذي جاء به سبع في ثلاثة فذلك أحد وعشرون ذراعا فعرفت أنه أقام ثلاثة أرباع العمل المشروط فعليه ثلاثة أرباع الأجر ، وقال كثير من مشايخنا رضي الله عنهم يعطيه ثلاثة [ ص: 87 ] أرباع المسمى ; لأن جميع المسمى بمقابلة ثمانية وعشرين ذراعا فإحدى وعشرون يقابله ثلاثة أرباع المسمى كما لو استأجره ليضرب له ثمانية وعشرين لبنة بأجر مسمى فضرب إحدى وعشرين ; فإنه يستوجب ثلاثة أرباع المسمى قال : رضي الله عنه والأصح عندي أنه يعطيه أجر مثله لا يجاوز به ثلاثة أرباع المسمى ; لأن مالية الثوب تتفاوت بالطول والعرض وربما تنقص زيادة الطول في المالية وزيادة العرض تزيد فيه كما في الملاءة وربما تزيد في ماليته زيادة الطول دون العرض كما في العمامة فلا يمكن توزيع المسمى على الذرعان بهذه الصفة بخلاف اللبن فالبعض هناك غير متصل بالبعض في معنى المالية

وإذا تقرر هذا عرفنا أن التوزيع هنا على الذرعان غير ممكن فيعطيه أجر مثل عمله ولكن لا يجاوز به ثلاثة أرباع المسمى ; لأنه لو جاء بالثوب مثل ما سمى كان حصته ثلاثة أرباعه من الأجر ثلاثة أرباع المسمى ، فإذا تم رضاه بذلك القدر عند الموافقة يكون أرضى به عند الخلاف فلهذا أوجبنا عليه أجر مثل عمله لا يجاوز به ثلاثة أرباع المسمى وكأنه أشار إلى هذا بقوله : ولا تجاوز به إلا ما سمي له بمقابلة ما جاء به ، وكذلك لو شرط عليه صفيقا فحاكه رقيقا ولو شرط عليه رقيقا فحاكه صفيقا كان له أجر مثله لا يجاوز به ما سمي ; لأنه إنما ضمن جميع الأجر بمقابلة الوصف الذي شرط عليه ولم يأت به فإن مالية الثوب تختلف بالرقة والصفاقة وربما يختار الصفيق في بعض الأوقات والرقيق في بعض الأوقات ; فلهذا وجب المصير إلى أجر المثل ولا تجاوز به ما سمي ; لانعدام المقوم فيما زاد عليه ; ولوجود الرضا من الحائك بالمسمى من الأجر ولو أمره أن يزيد في الغزل رطلا من غزله وقال : قد زدته وقال : رب الغزل لم تزده فالقول قول رب الغزل مع يمينه ، أما جواز هذا العقد ; فلأنه استقرض منه ما أمره أن يزيد فيه من الغزل ويصير المستقرض قابضا باتصاله بملكه فالحائك يقيم العمل في غزل رب الثوب بخلاف ما إذا كان جميع الغزل من الحائك فإن المستصنع هناك لا يمكن أن يجعل مستقرضا للغزل قابضا فيكون الحائك عاملا في غزل نفسه ، ثم الحائك يدعي أنه أقرضه رطلا من غزله وسلمه إليه ورب الثوب منكر لذلك فالقول قول المنكر مع يمينه وعلى الحائك البينة لحاجته إلى إثبات ما يدعي من التسليم إليه بحكم القرض وما يدعي من الدين لنفسه في ذمته فإن أقام البينة أخذ من رب الثوب مثل غزله ; لأن الثابت بالبينة كالثابت بإقرار الخصم ، وإن لم تكن له بينة فاليمين على رب الثوب على علمه ; لأنه إنما يستحلف على فعل الغير فإن حلف برئ ، وإن نكل عن اليمين فنكوله كإقراره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث