الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي ، رضي الله عنه : " وإن عمل في الصلاة عملا قليلا مثل دفعه المار بين يديه ، أو قتل حية ، أو ما أشبه ذلك لم يضره "

                                                                                                                                            [ ص: 186 ] قال الماوردي : وهو كما قال

                                                                                                                                            وجملة الأعمال الواقعة في الصلاة من غير جنسها ضربان :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يكون عملا طويلا فمتى أوقعه في الصلاة أبطلها عامدا كان ، أو ناسيا ، لأنه يقطع الموالاة ويمنع متابعة الأذكار ، ولا حد لطوله ، ولكن يرجع فيه إلى ما يتعارفه الناس ، فإن قيل : فلم لا كانت الصلاة جائزة مع العمل الطويل كما جازت مع كلام الناس ، وإن طال قيل : في كلام الناس إذا طال وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : تبطل صلاته ، فعلى هذا قد استويا

                                                                                                                                            والثاني : وهو أصح لا يبطلها

                                                                                                                                            والفرق بينهما : أن حكم الأفعال أغلظ من حكم الأقوال ألا ترى أن المكره على القتل يلزمه القود في أصح القولين ، والمكره على الطلاق لا يلزمه الطلاق ، فلما افترقا في تغليظ الحكم افترقا في إبطال الصلاة

                                                                                                                                            والضرب الثاني : من العمل ما كان قليلا فعلى ضربين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يقصد به منافاة الصلاة فتبطل صلاته ، لأنه قصد الخروج من صلاته من غير إحداث عمل بطلت صلاته فلأن تبطل بالقصد مع العمل أولى

                                                                                                                                            والثاني : أن لا يقصد منافاة الصلاة فصلاته جائزة لقوله صلى الله عليه وسلم : " صلاة المؤمن لا يقطعها شيء وادرؤا ما استطعتم " ، فمن ذلك أن يدفع في صلاته مارا ، أو يمنع مجتازا ، فلا تبطل صلاته لرواية أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا صلى أحدكم فلا يدع أحدا يمر بين يديه فليدرأ ما استطاع ، فإن أبى فليقاتله فإنه شيطان ومن ذلك أن يفتح بابا ، أو يخطو خطوة ، فلا تبطل صلاته لرواية عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : استفتحت الباب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ففتح لي

                                                                                                                                            ومن ذلك أن يستند على حائط ، أو يعتمد على عصا فلا تبطل صلاته

                                                                                                                                            لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعتمد في صلاته على وتد كان ثابتا بالمدينة مشاهدا حتى قلع سنة أربع وستين وثلاث مائة ، ومن ذلك أن يقتل حية أو عقربا بضربة ، أو ضربتين فلا تبطل صلاته : لرواية أبي هريرة قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقتل في الصلاة الأسودين الحية ، والعقرب

                                                                                                                                            [ ص: 187 ] ومن ذلك أن يحمل في صلاته صبيا فلا تبطل صلاته لرواية أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى وعلى عاتقه أمامة بنت أبي العاص ، فكان إذا ركع وضعها ، وإذا رفع حملها

                                                                                                                                            وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان يحمل الحسن والحسين عليهما السلام في صلاته

                                                                                                                                            وفي ذلك دليل على جواز الصلاة في ثياب الصبيان ومن ذلك أن يصلح ثوبه ويعبث بلحيته فلا تبطل صلاته لرواية مجاهد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم مس لحيته في الصلاة

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية