الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الثاني فيما يجوز أن يقتضي من المسلم إليه بدل ما انعقد عليه السلم وما يعرض في ذلك من الإقالة والتعجيل والتأخير

الباب الثاني .

فيما يجوز أن يقتضي من المسلم إليه بدل ما انعقد عليه السلم ، وما يعرض في ذلك من الإقالة ، والتعجيل ، والتأخير .

وفي هذا الباب فروع كثيرة ، لكن نذكر منها المشهور :

مسألة .

اختلف العلماء فيمن أسلم في شيء من الثمر ، فلما حل الأجل تعذر تسليمه حتى عدم ذلك المسلم فيه وخرج زمانه ، فقال الجمهور : إذا وقع ذلك كان المسلم بالخيار بين أن يأخذ الثمن أو يصير إلى العام القابل ، وبه قال الشافعي ، وأبو حنيفة ، وابن القاسم ; وحجتهم أن العقد وقع على موصوف في الذمة فهو باق على أصله ، وليس من شرط جوازه أن يكون من ثمار هذه السنة ، وإنما هو شيء شرطه المسلم فهو في ذلك بالخيار .

وقال أشهب من أصحاب مالك : ينفسخ السلم ضرورة ولا يجوز التأخير ، وكأنه رآه من باب الكالئ بالكالئ . وقال سحنون : ليس له أخذ الثمن ، وإنما له أن يصبر إلى القابل ، واضطرب قول مالك في هذا .

والمعتمد عليه في هذه المسألة ما رآه أبو حنيفة ، والشافعي ، وابن القاسم ، وهو الذي اختاره أبو بكر الطرطوشي ، والكالئ بالكالئ المنهي عنه إنما هو المقصود ، لا الذي يدخل اضطرارا .

مسألة .

اختلف العلماء في بيع المسلم فيه إذا حان الأجل من المسلم إليه قبل قبضه ; فمن العلماء من لم يجز ذلك أصلا ، وهم القائلون بأن كل شيء لا يجوز بيعه قبل قبضه ، وبه قال أبو حنيفة ، وأحمد ، وإسحاق .

وتمسك أحمد ، وإسحاق في منع هذا بحديث عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أسلم في شيء فلا يصرفه في غيره " .

وأما مالك : فإنه منع شراء المسلم فيه قبل قبضه في موضعين :

أحدهما : إذا كان المسلم فيه طعاما ، وذلك بناء على مذهبه في أن الذي يشترط في بيعه القبض هو الطعام على ما جاء عليه النص في الحديث .

[ ص: 563 ] والثاني : إذا لم يكن المسلم فيه طعاما فأخذ عوضه المسلم ما لا يجوز أن يسلم فيه رأس ماله ، مثل أن يكون المسلم فيه عرضا ، والثمن عرضا مخالفا له فيأخذ المسلم من المسلم إليه إذا حان الأجل شيئا من جنس ذلك العرض الذي هو الثمن ، وذلك أن هذا يدخله إما سلف ، وزيادة إن كان العرض المأخوذ أكثر من رأس مال السلم ، وإما ضمان ، وسلف إن كان مثله أو أقل .

وكذلك إن كان رأس مال السلم طعاما لم يجز أن يأخذ فيه طعاما آخر أكثر ، لا من جنسه ولا من غير جنسه ، فإن كان مثل طعامه في الجنس ، والكيل ، والصفة فيما حكاه عبد الوهاب جاز; لأنه يحمله على العروض .

وكذلك يجوز عنده أن يأخذ من الطعام المسلم فيه طعاما من صفته ، وإن كان أقل جودة ; لأنه عنده من باب البدل في الدنانير . والإحسان مثل أن يكون له عليه قمح فيأخذ بمكيلته شعيرا ، وهذا كله من شرطه عند مالك أن لا يتأخر القبض; لأنه يدخله الدين بالدين .

وإن كان رأس مال السلم عينا وأخذ المسلم فيه عينا من جنسه جاز ما لم يكن أكثر منه ، ولم يتهمه على بيع العين بالعين نسيئة إذا كان مثله ، أو أقل ، وإن أخذ دراهم في دنانير لم يتهمه على الصرف المتأخر ، وكذلك إن أخذ فيه دنانير من غير صنف الدنانير التي هي رأس مال السلم .

وأما بيع السلم من غير المسلم إليه : فيجوز بكل شيء يجوز التبايع به ما لم يكن طعاما; لأنه لا يدخله بيع الطعام قبل قبضه .

وأما الإقالة : فمن شرطها عند مالك أن لا يدخلها زيادة ولا نقصان ، فإن دخلها زيادة أو نقصان كان بيعا من البيوع ، ودخلها ما يدخل البيوع ( أعني : أنها تفسد عنده بما يفسد بيوع الآجال مثل أن يتذرع إلى بيع وسلف ، أو إلى : ضع وتعجل ، أو إلى بيع السلم بما لا يجوز بيعه ) . مثال ذلك : في دخول بيع ، وسلف به إذا حل الأجل ، فأقاله على أن أخذ البعض ، وأقال من البعض ، فإنه لا يجوز عنده ، فإنه يدخله التذرع إلى بيع وسلف ، وذلك جائز عند الشافعي ، وأبي حنيفة ; لأنهما لا يقولان بتحريم بيوع الذرائع .

مسألة .

اختلف العلماء في الشراء برأس مال السلم من المسلم إليه شيئا بعد الإقالة بما لا يجوز قبل الإقالة : فمن العلماء من لم يجزه أصلا ، ورأى أن الإقالة ذريعة إلى أن يجوز من ذلك ما لا يجوز ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ، ومالك وأصحابه ، إلا أن عند أبي حنيفة لا يجوز على الإطلاق ، إذ كان لا يجوز عنده بيع المسلم فيه قبل القبض على الإطلاق; ومالك يمنع ذلك في المواضع التي يمنع بيع المسلم فيه قبل القبض على ما فصلناه قبل هذا من مذهبه . ومن العلماء من أجازه ، وبه قال الشافعي ، والثوري .

وحجتهم أن بالإقالة قد ملك رأس ماله ، فإذا ملكه جاز له أن يشتري به ما أحب ، والظن الرديء بالمسلمين غير جائز . قال : وأما حديث أبي سعيد فإنه إنما وقع النهي فيه قبل الإقالة .

مسألة .

اختلفوا إذا ندم المبتاع في السلم فقال للبائع : أقلني وأنظرك بالثمن الذي دفعت إليك ، فقال مالك [ ص: 564 ] وطائفة : ذلك لا يجوز .

وقال قوم : يجوز .

واعتل مالك في ذلك مخافة أن يكون المشتري لما حل له الطعام على البائع أخره عنه على أن يقبله ، فكان ذلك من باب بيع الطعام إلى أجل قبل أن يستوفى . وقوم اعتلوا لمنع ذلك بأنه من باب فسخ الدين بالدين .

والذين رأوه جائزا رأوه أنه من باب المعروف ، والإحسان الذي أمر الله تعالى به . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أقال مسلما صفقته أقال الله عثرته يوم القيامة ، ومن أنظر معسرا أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله " .

مسألة .

أجمع العلماء على أنه كان لرجل على رجل دراهم أو دنانير إلى أجل فدفعها إليه عند محل الأجل وبعده أنه يلزمه أخذها .

واختلفوا في العروض المؤجلة من السلم ، وغيره : فقال مالك والجمهور : إن أتى بها قبل محل الأجل لم يلزمه أخذها . وقال الشافعي : إن كان مما لا يتغير ولا يقصد به النظارة لزمه أخذه كالنحاس ، والحديد ، وإن كان مما يقصد به النظارة كالفواكه لم يلزمه .

وأما إذا أتى به بعد محل الأجل فاختلف في ذلك أصحاب مالك : فروي عنه أنه : يلزمه قبضه ، مثل أن يسلم في قطائف الشتاء ، فيأتي بها في الصيف ، فقال ابن وهب وجماعة : لا يلزمه ذلك .

وحجة الجمهور في أنه لا يلزمه قبض العروض قبل محل الأجل من قبل أنه من ضمانه إلى الوقت المضروب الذي قصده ، ولما كان عليه من المؤنة في ذلك ، وليس كذلك الدنانير ، والدراهم ، إذ لا مؤنة فيها .

ومن لم يلزمه بعد الأجل فحجته أنه رأى أن المقصود من العروض إنما كان وقت الأجل لا غيره . وأما من أجاز ذلك في الوجهين ( أعني : بعد الأجل أو قبله ) فشبهه بالدنانير والدراهم .

مسألة .

اختلف العلماء فيمن أسلم إلى آخر أو باع منه طعاما على مكيلة ما فأخبر البائع أو المسلم إليه المشتري بكيل الطعام ، هل للمشتري أن يقبضه منه دون أن يكيله ، وأن يعمل في ذلك على تصديقه ؟

فقال مالك : ذلك جائز في السلم ، وفي البيع بشرط النقد ، وإلا خيف أن يكون من باب الربا ، كأنه إنما صدقه في الكيل لمكان أنه أنظره بالثمن .

وقال أبو حنيفة ، والشافعي ، والثوري ، والأوزاعي ، والليث : لا يجوز ذلك حتى يكيله البائع للمشتري مرة ثانية بعد أن كاله لنفسه بحضرة البائع .

وحجتهم أنه لما كان ليس للمشتري أن يبيعه إلا بعد أن يكيله لم يكن له أن يقبضه إلا بعد أن يكيله البائع له; لأنه لما كان من شرط البيع الكيل فكذلك القبض . واحتجوا بما جاء في الحديث : " أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان : صاع البائع ، وصاع المشتري " .

واختلفوا إذا هلك الطعام في يد المشتري قبل الكيل ، فاختلفا في الكيل ، فقال الشافعي : القول قول [ ص: 565 ] المشتري ، وبه قال أبو ثور . وقال مالك : القول قول البائع; لأنه قد صدقه المشتري عند قبضه إياه ، وهذا مبني عنده على أن البيع يجوز بنفسه تصديقه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث