الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 74 ] ( ويصلي الإمام بالناس ركعتين ، يكبر في الأولى للافتتاح وثلاثا بعدها ، ثم يقرأ الفاتحة وسورة ، ويكبر تكبيرة يركع بها . ثم يبتدئ في الركعة الثانية بالقراءة ، ثم يكبر ثلاثا بعدها ، ويكبر رابعة يركع بها ) وهذا قول ابن مسعود ، وهو قولنا . وقال ابن عباس : يكبر في الأولى للافتتاح وخمسا بعدها وفي الثانية يكبر خمسا ثم يقرأ . وفي رواية يكبر أربعا ، وظهر عمل العامة اليوم بقول ابن عباس لأمر بنيه الخلفاء . فأما المذهب فالقول [ ص: 75 ] الأول ; لأن التكبير ورفع الأيدي خلاف المعهود فكان الأخذ بالأقل أولى ثم بالتكبيرات من أعلام الدين حتى يجهر به فكان الأصل فيه الجمع وفي الركعة الأولى يجب إلحاقها بتكبيرة الافتتاح لقولها من حيث الفريضة والسبق ، وفي [ ص: 76 ] الثانية لم يوجد إلا تكبيرة الركوع فوجب الضم إليها ، والشافعي أخذ بقول ابن عباس ، إلا أنه حمل المروي كله على الزوائد فصارت التكبيرات عنده خمس عشرة أو ست عشرة .

التالي السابق


( قوله : وهذا قول ابن مسعود ) اعلم أنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يوافق رأي الشافعي وما يوافق رأينا ، وكذا عن الصحابة .

أما عنه صلى الله عليه وسلم ، ففي أبي داود وابن ماجه عن عائشة { كان صلى الله عليه وسلم يكبر في العيدين في الأولى بسبع وفي الثانية بخمس قبل القراءة سوى تكبيرتي الركوع } ورواه الحاكم وقال : تفرد به ابن لهيعة ، وقد استشهد به مسلم .

قال : وفي الباب عن عائشة وابن عمر وأبي هريرة والطرق إليهم فاسدة ، وفي أبي داود وابن ماجه أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : { قال النبي صلى الله عليه وسلم التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الثانية والقراءة بعدهما كلتيهما } زاد الدارقطني بعد { وخمس في الثانية سوى تكبيرة الصلاة } قال النووي : قال الترمذي في العلل : سألت البخاري عنه فقال صحيح .

[ ص: 75 ] وأخرج الترمذي وابن ماجه عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر في العيدين في الأولى سبعا قبل القراءة وفي الآخرة خمسا قبل القراءة } قال الترمذي : حديث حسن وهو أحسن شيء روي في هذا الباب . وقال في علله الكبرى : سألت محمدا عن هذا الحديث فقال : ليس في هذا الباب أصح منه وبه أقول . وقد رويت أحاديث عدة غيرها توافق هذه ، وفي أبي داود ما يعارضها ، وهو { أن سعيد بن العاص سأل أبا موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان : كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في الأضحى والفطر ؟ فقال أبو موسى : كان يكبر أربعا تكبيره على الجنائز ، فقال حذيفة : صدق ، فقال أبو موسى : كذلك كنت أكبر في البصرة حيث كنت عليهم } سكت عنه أبو داود ثم المنذري في مختصره ، وهو ملحق بحديثين ، إذ تصديق حذيفة رواية لمثله ، وسكوت أبي داود والمنذري تصحيح أو تحسين منهما ، وتضعيف ابن الجوزي له بعبد الرحمن بن ثوبان نقلا عن ابن معين والإمام أحمد معارض بقول صاحب التنقيح فيه وثقه غير واحد . وقال ابن معين : ليس به بأس ، لكن أبو عائشة في سنده . قال ابن القطان : لا أعرف .

وقال ابن حزم : مجهول ، ولو سلم فحديث ابن لهيعة ضعيف أيضا به لو لم يظهر فيه سبب غيره فكيف وقد بان اضطرابه فيه ؟ فمرة وقع فيه عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن الزهري ، ومرة عنه عن عقيل عن الزهري ، وقيل عنه عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة ، وقيل عنه عن الأعرج عن أبي هريرة . قال الدارقطني : والاضطراب فيه من ابن لهيعة ، والحديثان اللذان يليانه منع القول بتصحيحهما ابن القطان في كتابه وأوله ، وقال : ونحن وإن خرجنا عن ظاهر اللفظ لكن أوجبه أن كثير بن عبد الله عندهم متروك . قال أحمد : لا يساوي شيئا ، وضرب على حديثه في المسند ولم يحدث عنه . وقال ابن معين : ليس حديثه بشيء ، وقال النسائي والدارقطني : متروك ، وقال أبو زرعة : واهي الحديث ، وأفظع الشافعي رحمه الله فيه القول .

وقال ابن حنبل رحمه الله : ليس في تكبير العيدين عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث صحيح ، وإنما آخذ فيه بفعل أبي هريرة . وأما ما عن الصحابة فأخرج عبد الرزاق أخبرنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن علقمة والأسود " أن ابن مسعود كان يكبر في العيدين تسعا ، أربعا قبل القراءة ثم يكبر فيركع . وفي الثانية يقرأ ، فإذا فرغ كبر أربعا ثم ركع " . أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن علقمة والأسود قال : كان ابن مسعود جالسا وعنده حذيفة وأبو موسى الأشعري ، فسألهم سعيد بن العاص عن التكبير في صلاة العيد ، فقال حذيفة : سل الأشعري ، فقال الأشعري : سل عبد الله فإنه أقدمنا وأعلمنا ، فسأله ، فقال ابن مسعود : يكبر أربعا ثم يقرأ ثم يكبر فيركع ، ثم يقوم في الثانية فيقرأ ثم يكبر أربعا [ ص: 76 ] بعد القراءة .

طريق آخر رواه ابن أبي شيبة : حدثنا هشيم ، وأخبرنا مجالد عن الشعبي عن مسروق قال : " كان عبد الله بن مسعود يعلمنا التكبير في العيدين تسع تكبيرات . خمس في الأولى وأربع في الآخرة ، ويوالي بين القراءتين " والمراد بالخمس تكبيرة الافتتاح والركوع وثلاث زوائد ، وبالأربع بتكبيرة الركوع . طريق آخر رواه محمد بن الحسن : أخبرنا أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي عن عبد الله بن مسعود ، وكان قاعدا في مسجد الكوفة معه حذيفة بن اليمان وأبو موسى الأشعري ، فخرج عليهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط وهو أمير الكوفة يومئذ فقال : " إن غدا عيدكم فكيف أصنع ؟ فقالا : أخبره يا أبا عبد الرحمن ، فأمره عبد الله بن مسعود أن يصلي بغير أذان ولا إقامة ، وأن يكبر في الأولى خمسا وفي الثانية أربعا ، وأن يوالي بين القراءتين ، وأن يخطب بعد الصلاة على راحلته " . قال الترمذي : وقد روي عن ابن مسعود أنه قال : " في التكبير في العيد تسع تكبيرات : في الأولى خمسا قبل القراءة ، وفي الثانية يبدأ القراءة ثم يكبر أربعا مع تكبيرة الركوع " . وقد روي عن غير واحد من الصحابة نحو هذا .

وهذا أثر صحيح قاله بحضرة جماعة من الصحابة . ومثل هذا يحمل على الرفع ; لأنه مثل نقل أعداد الركعات . فإن قيل : روي عن أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهم ما يخالفه . قلنا : غايته معارضة ، ويترجح أثر ابن مسعود بابن مسعود مع أن المروي عن ابن عباس متعارض ; فروي عنه كمذهبهم من رواية ابن أبي شيبة ، حدثنا وكيع عن ابن جريج عن عطاء " أن ابن عباس كبر في عيد ثلاث عشرة سبعا في الأولى وستا في الآخرة " . حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حميد عن عمار عن أبي عمار " أن ابن عباس كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة سبعا في الأولى وخمسا في الآخرة " . وروي عنه كمذهبنا ، فروى ابن أبي شيبة : حدثنا هشيم أخبرنا خالد الحذاء عن عبد الله بن الحارث قال : " صلى ابن عباس يوم عيد فكبر تسع تكبيرات خمسا في الأولى وأربعا في الآخرة ، ووالى بين القراءتين " . ورواه عبد الرزاق وزاد فيه : وفعل المغيرة بن شعبة مثل ذلك فاضطرب المروي .

وأثر ابن مسعود لو لم يسلم كان مقدما فكيف وهو سالم لاضطراب معارضه ، وبه يترجح المرفوع الموافق له ، ويختص ترجيح الموالاة بين القراءتين منه بأن التكبير ثناء والثناء شرع في الأولى أولا وهو دعاء الافتتاح فيقدم تكبيرها ، وحيث شرع في الثانية شرع مؤخرا وهو القنوت فيؤخر تكبير الثانية على وفق المعهود . ( قوله : والشافعي أخذ بقول ابن عباس ) يعني المروي عنه من التكبيرات ثنتي عشرة أو ثلاث عشرة ، والمصنف لم يذكر الروايتين هكذا عنه بل إنه يكبر في الأولى للافتتاح وخمسا بعدها ، وفي الثانية خمسا ثم يقرأ أو أربعا ، إلا أن هذا بعدما علم من طريقتنا أن [ ص: 77 ] كل مروي في العدد يحمل على شموله الأصليات ، والزوائد تلتفت منه إلى كون المروي عنه ثلاث عشرة ، تكبيرات الافتتاح والركوعين مع العشر أو التسع ، فاكتفى بهذا القدر من اللزوم في الإحالة على المروي عن ابن عباس ، إلا أن عد تكبيرة الافتتاح في الأولى دون تكبيرة القيام في الثانية تخصيص من غير مخصص ، وعلى اعتبارها إنما يقع الالتفات إلى كون المروي أربع عشرة وثلاث عشرة .

فإن قيل : المخصص اتصال الافتتاح بالزوائد . قلنا : فلم يتجه عد تكبيرة ركوع الأولى وعلى عدم اعتباره يقع الالتفات إلى كونه أحد عشر أو عشرا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث