الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب النية وما يتعلق بها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( ولا ) تشترط نية ( فرضية في فرض ) فلا [ ص: 315 ] يعتبر أن يقول : أصلي الظهر فرضا أو معادة ، فيما إذا كانت معادة كما في مختصر المقنع ، كالتي قبلها ( ولا ) تشترط نية ( أداء في حاضرة ) لأنه لا يختلف المذهب أنه لو صلاها ينويها أداء فبان وقتها قد خرج أن صلاته صحيحة وتقع قضاء ، وكذلك لو نواها قضاء فبان فعلها في وقتها وقعت أداء .

قاله في الشرح ( ويصح قضاء بنية أداء ) إذا بان خلاف ظنه .

( و ) يصح ( عكسه ) أي : الأداء بنية القضاء ( إذا بان خلاف ظنه ) كما تقدم ، و ( لا ) يصح ذلك ( مع العلم ) وقصد معناه المصطلح عليه ، بغير خلاف ، لأنه متلاعب ( ولو كان عليه ظهران ) مثلا ( حاضرة وفائتة ، فصلاهما ، ثم ذكر أنه ترك شرطا ) أو ركنا ( في إحداهما لا يعلم عينها ) بأن لم يدر ، أهي الفائتة أو الحاضرة ( صلى ظهرا واحدة ينوي بها ما عليه ) لما تقدم من أنه لا يشترط نية الأداء في الحاضرة ، والقضاء في الفائتة .

( ولو كان الظهران فائتتين فنوى ظهرا منهما ) ولم يعينها ( لم تجزه ) الظهر التي صلاها ( عن إحداهما حتى يعين السابقة ، لأجل ) اعتبار ( الترتيب ) بين الفوائت ( بخلاف المنذورتين ) فلا يحتاج إلى تعيين السابقة من اللاحقة ، لأنه لا ترتيب بينهما ( ولو ظن ) مكلف ( أن عليه ظهرا فائتة فقضاها في وقت ظهر اليوم ، ثم بان أنه لا قضاء عليه لم تجزه ) الظهر التي صلاها ( عن ) الظهر ( الحاضرة ) لأنه لم ينوها أشبه ما لو نوى قضاء عصر .

وقد قال صلى الله عليه وسلم : { وإنما لكل امرئ ما نوى } ( وكذا لو نوى ظهر اليوم في وقتها وعليه فائتة ) لم تجزه عنها لما تقدم ( ولا يشترط إضافة الفعل إلى الله تعالى في العبادات كلها ) بأن يقول : أصلي لله أو أصوم لله ونحوه لأن العبادات لا تكون إلا لله ( بل يستحب ) ذلك خروجا من خلاف من أوجبه ( ويأتي بالنية عند تكبيرة الإحرام ) إما مقارنة لها أو متقدمة عليها بيسير ومقارنتها للتكبير بأن يأتي بالتكبير عقب النية .

وهذا ممكن لا صعوبة فيه ، بل عامة الناس إنما يصلون هكذا .

وأما تفسير المقارنة : بانبساط أجزاء النية على أجزاء التكبير ، بحيث يكون أولها مع أوله وآخرها مع آخره فهذا لا يصح لأنه يقتضي عزوب النية عن أول الصلاة ، وخلو أول الصلاة عن النية الواجبة وتفسيرها بحضور جميع النية مع حضور جميع أجزاء التكبير ، فهذا قد نوزع في إمكانه فضلا عن وجوبه ولو قيل بإمكانه فهو متعسر ، فيسقط بالحرج وأيضا فما يبطل هذا والذي قبله أن المكبر ينبغي له أن يتدبر التكبير ويتصوره فيكون قلبه مشغولا بمعنى التكبير لا بما يشغله عن ذلك من استحضار المنوي .

ذكره في الاختيارات [ ص: 316 ] ( والأفضل مقارنتها ) أي النية للتكبير خروجا من خلاف من أوجبه ، كالآجري وغيره ( فإن تقدمت ) النية ( عليه ) أي : التكبير ( بزمن يسير بعد دخول الوقت في أداء وراتبة ولم يفسخها ) أي : النية وكان ذلك ( مع بقاء إسلامه ) بأن لم يرتد ( صحت ) صلاته لأن تقدم النية على التكبير بالزمن اليسير لا يخرج الصلاة عن كونها منوية .

ولا يخرج الفاعل عن كونه ناويا مخلصا كالصوم ، ولأن النية من شروط الصلاة ، فجاز تقدمها كبقية الشروط ; ولأن في اعتبار المقارنة حرجا ومشقة فوجب سقوطه لقوله تعالى { وما جعل عليكم في الدين من حرج } ولأن أول الصلاة من أجزائها فكفى استصحاب النية فيه كسائرها وعلم مما تقدم : أن النية لو تقدمت قبل وقت الأداء أو الراتبة ولو بيسير لم يعتد بها ، للخلاف في كونها ركنا للصلاة وهو لا يتقدم كبقية الأركان وأول من اشترط لتقدم النية كونه في وقت المنوية : الخرقي وتبعه على ذلك ابن الزاغوني والقاضي أبو يعلى وولده أبو الحسين وصاحب الرعاية والمستوعب ، والحاويين وجزم به في الوجيز وغيره .

ولم يذكر هذا الشرط أكثر الأصحاب فإما لإهمالهم أو بناء منهم على الغالب قال في الإنصاف : وظاهر كلام غيرهم ، أي : غير من تقدم : الجواز ، لكن لم أر الجواز صريحا وعلم منه أيضا : أنه إذا فسخها لم يعتد بها لأنه صار كمن لم ينو وعلم منه أيضا : أنه إذا ارتد لم يعتد بها لأن الردة في أثناء العبادة مبطلة لها ، كما لو ارتد في أثناء الصلاة إذا تقرر ذلك ، فإنها تصح مع التقدم بالزمن اليسير بشرطه ( حتى ولو تكلم بعدها ) أي : النية ( وقبل التكبير ) لأن الكلام لا ينافي العزم المتقدم ولا يناقض النية المتقدمة ، فتستمر إلى أن يوجد مناقض ( وكذا لو أتى بها ) أي : النية ( قاعدا ) في الفرض ( ثم قام ) فكبر لأن الواجب استحضار النية عند دخوله في الصلاة ، لا أن لا تتقدم .

وكذا لو نوى الصلاة وهو غير مستقبل ، ثم استقبل وصلى أو وهو مكشوف العورة ، ثم سترها ودخل في الصلاة ، أو وهو حامل نجاسة ثم ألقاها ودخل في الصلاة ( ويجب استصحاب حكمها ) أي النية ( إلى آخر الصلاة ) بأن لا ينوي قطعها دون استصحاب ذكرها فلو ذهل عنها أو عزبت عنه في أثناء الصلاة لم تبطل ، لأن التحرز من هذا غير ممكن ، وقياسا على الصوم وغيره .

وقد روى مالك في الموطأ عن النبي صلى الله عليه وسلم { إذا أقيمت الصلاة أدبر الشيطان وله [ ص: 317 ] حصاص فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول : اذكر كذا ، اذكر كذا ، حتى يضل أحدكم أن يدري كم صلى } وإن أمكنه استصحاب ذكرها فهو أفضل ( فإن قطعها ) أي : النية ( في أثنائها ) أي الصلاة بطلت لأن النية شرط في جميعها وقد قطعها أشبه ما لو سلم ينوي الخروج منها ( أو عزم عليه ) أي : على قطع النية بطلت لأن النية عزم جازم ، ومع العزم على قطعها لا جزم فلا نية ( أو تردد فيه ) أي : في قطعها بطلت الصلاة ، لأن استدامة النية شرط لصحتها ، ومع التردد تبطل الاستدامة ( أو شك ) في أثناء الصلاة ( هل نوى فعمل مع الشك عملا ) من أعمال الصلاة ، كركوع وسجود ورفع منهما وقراءة وتسبيح ونحوها ( ثم ذكر أنه نوى ) بطلت صلاته ، لخلو ما عمله عن نية جازمة ( أو شك في تكبيرة إحرام ) بطلت ، بمعنى وجب عليه استئناف الصلاة لأنه لا يدخل في الصلاة إلا بتكبيرة الإحرام .

والأصل عدمها ( أو شك هل أحرم بظهر أو عصر ) أي شك في تعيين الصلاة ( ثم ذكر فيها ) أي : بعد أن عمل مع الشك عملا فعليا أو قوليا بطلت صلاته ، لخلو ما عمله عن نية جازمة ( أو نوى أنه سيقطعها ) أي : النية ( أو علقه ) أي : قطع النية ( على شرط ) كأن نوى إن جاء زيد قطعها ( بطلت ) صلاته لمنافاة ذلك للجزم بها ( وإن شك هل نوى ) الصلاة ( فرضا أو نفلا أتمها نفلا ) لأن الأصل عدم نية الفرض ( إلا أن يذكر أنه نوى الفرض قبل أن يحدث عملا ) من أعمال الصلاة الفعلية والقولية ( فيتمها فرضا ) لأنه لم يخل عمل من أعمالها عن النية الجازمة ( وإن ذكره ) أي : ذكر أنه نوى الفرض ( بعد أن أحدث عملا بطل فرضه ) لخلو ما عمله عن نية الفرضية الجازمة .

( وإن أحرم بفرض ) صلاة ( رباعية ثم سلم من ركعتين يظنها جمعة أو فجرا أو التراويح ثم ذكر ) ولو قريبا ( بطل فرضه ) وظاهره : تصح نفلا ( ولم يبن ) على الركعتين ( نصا ) لقطع نية الرباعية بسلامه ظانا ما ذكر ( كما لو كان ) سلم منها ( عالما ) لقطع نية الصلاة ( وإن أحرم بفرض فبان عدمه ، كمن أحرم بفائتة فلم تكن عليه ، أو ) أحرم بفرض ف ( بان قبل ) دخول ( وقته انقلبت نفلا ) لأن نية الفرض تشمل نية النفل فإذا بطلت نية الفرض بقيت نية مطلق الصلاة .

( وإن كان عالما ) أن لا فائتة عليه أو أن الوقت لم يدخل ( لم تنعقد ) صلاته ( فيهما ) لأنه متلاعب ( وإن أحرم به ) أي : الفرض ( في وقته المتسع ثم قلبه نفلا لغرض صحيح مثل أن يحرم منفردا ثم يريد الصلاة في جماعة جاز ) لأن نية النفل تضمنتها نية الفرض .

فإذا قطع نية الفرض بقيت نية النفل ( بل هو ) أي : قلب الفرض من المنفرد نفلا ليصليه [ ص: 318 ] في جماعة ( أفضل ) من إتمامه منفردا ، لأنه إكمال في المعنى ، كنقض المسجد للإصلاح ( ويكره ) قلب الفرض نفلا ( لغير الفرض ) الصحيح ، لكونه أبطل عمله .

وعن أحمد فيمن صلى ركعة من فرض منفردا ، ثم أقيمت الصلاة : أعجب إلي يقطعه ويدخل معهم فعلى هذا يكون قطع النفل أولى ( وإن انتقل من فرض ) أحرم به كالظهر ( إلى فرض ) آخر كالعصر ( بمجرد النية من غير تكبيرة إحرام ) لفرض ( الثاني بطل فرضه الأول ) الذي انتقل عنه لقطعه نيته ( وصح ) ما صلاه ( نفلا إن استمر ) على نية الصلاة ، لأنه قطع نية الفرضية بنية انتقاله عن الفرض الذي نوى أولا ، دون نية الصلاة فتصير نفلا ( وكذا حكم ما يبطل الفرض فقط ، إذا وجد فيه ) أي : في الفرض فإنه يصير نفلا ( كترك القيام ) بلا عذر يسقطه ، فإن القيام ركن في الفرض دون النفل .

( و ) ك ( الصلاة في الكعبة والائتمام بمتنفل ، وائتمام مفترض بصبي ، إن اعتقد جوازه ) أي : جواز ما يبطل الفرض ( ونحوه ) أي : نحو اعتقاد جوازه ، كما لو اعتقد المتنفل مفترضا ، فتصح صلاته نفلا .

لأن الفرض لم يصح ولم يوجد ما يبطل النفل فإن لم يعتقد جوازه ونحوه ، بل فعله مع علمه بعدم جوازه لم تنعقد صلاته فرضا ولا نفلا ، لتلاعبه كمن أحرم بفرض قبل وقته عالما ( ولم ينعقد ) الفرض ( الثاني ) الذي انتقل إليه بمجرد النية من غير تكبيرة إحرام لأنها فتاحة ، ولم توجد ( وإن اقترن ) بنية الفرض ( الثاني تكبيرة إحرام له بطل ) الفرض ( الأول ) لقطعه نيته ( وصح ) الفرض ( الثاني ) كما لو لم يتقدمه غيره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث