الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب القسامة

المسألة الثالثة

[ من يبدأ بالأيمان وكم عددهم ؟ ]

واختلف القائلون بالقسامة ( أعني : الذين قالوا إنها يستوجب بها مال أو دم فيمن يبدأ بالأيمان الخمسين على ما ورد في الآثار ) ، فقال الشافعي وأحمد ، وداود بن علي وغيرهم : يبدأ المدعون ، وقال : فقهاء الكوفة والبصرة وكثير من أهل المدينة : بل يبدأ المدعى عليهم بالأيمان .

وعمدة من بدأ بالمدعين حديث مالك ، عن ابن أبي ليلى عن سهل بن أبي حثمة ، ومرسله عن بشير بن يسار . وعمدة من رأى التبدئة بالمدعى عليهم ما خرجه البخاري عن سعيد بن عبيد الطائي عن بشير بن [ ص: 744 ] يسار أن رجلا من الأنصار يقال له سهل بن حثمة وفيه : " فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تأتون بالبينة على من قتله " قالوا : ما لنا بينة ، قال : فيحلفون لكم ، قالوا : ما نرضى بأيمان يهود ، وكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يطل دمه ، فواداه بمائة بعير من إبل الصدقة " . قال القاضي : وهذا نص في أنه لا يستوجب بالأيمان الخمسين إلا دفع الدعوى فقط .

واحتجوا أيضا بما خرجه أبو داود أيضا عن أبي سلمة بن أبي عبد الرحمن ، وسليمان بن يسار عن رجال من كبراء الأنصار " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ليهود وبدأ بهم : أيحلف منكم خمسون رجلا خمسين يمينا ؟ فأبوا ، فقال للأنصار : احلفوا ، فقالوا : أنحلف على الغيب يا رسول الله ؟ فجعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دية على يهود ; لأنه وجد بين أظهرهم " ، وبهذا تمسك من جعل اليمين في حق المدعى عليه وألزمهم الغرم مع ذلك ، وهو حديث صحيح الإسناد ; لأنه رواه الثقات عن الزهري عن أبي سلمة ، وروى الكوفيون ذلك عن عمر ( أعني : أنه قضى على المدعى عليهم باليمين والدية ) .

وخرج مثله أيضا من تبدئة اليهود بالأيمان عن رافع بن خديج ، واحتج هؤلاء القوم على مالك بما روي عن ابن شهاب الزهري عن سليمان بن يسار وعراك بن مالك : " أن عمر بن الخطاب قال للجهني الذي ادعى دم وليه على رجل من بني سعد وكان أجرى فرسه فوطئ على أصبع الجهني فنزي منها فمات ، فقال : عمر للذي ادعى عليهم : أتحلفون بالله خمسين يمينا ما مات منها ؟ فأبوا أن يحلفوا وتحرجوا ، فقال للمدعين : احلفوا ، فأبوا فقضى عليهم بشطر الدية " . قالوا : وأحاديثنا هذه أولى من التي روي فيها تبدئة المدعين بالأيمان ; لأن الأصل شاهد لأحاديثنا من أن اليمين على المدعى عليه . قال أبو عمر : والأحاديث المتعارضة في ذلك مشهورة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث