الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


القاعدة الثانية إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام وأورده جماعة حديثا بلفظ { ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام الحلال } . قال الحافظ أبو الفضل العراقي : ولا أصل له ، وقال السبكي في الأشباه والنظائر [ ص: 106 ] نقلا عن البيهقي : هو حديث رواه جابر الجعفي ، رجل ضعيف ، عن الشعبي عن ابن مسعود ، وهو منقطع . قلت : وأخرجه من هذا الطريق عبد الرزاق في مصنفه . وهو موقوف على ابن مسعود لا مرفوع .

ثم قال ابن السبكي : غير أن القاعدة في نفسها صحيحة . قال الجويني في السلسلة : لم يخرج عنها إلا ما ندر .

فمن فروعها : إذا تعارض دليلان : أحدهما يقتضي التحريم والآخر الإباحة قدم التحريم في الأصح ومن ثم قال عثمان ، لما سئل عن الجمع بين أختين بملك اليمين " أحلتهما آية وحرمتهما آية . والتحريم أحب إلينا " وكذلك تعارض حديث { لك من الحائض ما فوق الإزار } وحديث { اصنعوا كل شيء إلا النكاح } فإن الأول يقتضي تحريم ما بين السرة والركبة .

والثاني يقتضي إباحة ما عدا الوطء ، فيرجح التحريم احتياطا .

قال الأئمة : وإنما كان التحريم أحب لأن فيه ترك مباح لاجتناب محرم . وذلك أولى من عكسه .

ومنها : لو اشتبهت محرم بأجنبيات محصورات لم تحل .

ومنها : قاعدة مد عجوة ودرهم .

ومنها : من أحد أبويها كتابي ، والآخر مجوسي . أو وثني : لا يحل نكاحها ولا ذبيحتها ، ولو كان الكتابي الأب في الأظهر ، تغليبا لجانب التحريم .

ومنها : من أحد أبويه مأكول ، والآخر غير مأكول . لا يحل أكله ، ولو قتله محرم ففيه الجزاء تغليبا للتحريم في الجانبين .

ومنها : لو كان بعض الضبة للحاجة ، وبعضها للزينة : حرمت .

ومنها : لو كان بعض الشجرة في الحل ، وبعضها في الحرم : حرم قطعها .

ومنها : لو اشترك في الذبح مسلم ومجوسي ، أو في قتل الصيد سهم وبندقة : لم يحل . ومنها : عدم جواز وطء الجارية المشتركة .

ومنها : لو اشتبه مذكى بميتة ، أو لبن بقر بلبن أتان أو ماء وبول : لم يجز تناول شيء منها ولا بالاجتهاد ، ما لم تكثر الأواني كاشتباه المحرم .

ومنها : لو اختلطت زوجته بغيرها ، فليس له الوطء ، ولا باجتهاد ، سواء كن محصورات أم لا بلا خلاف ، قاله في شرح المهذب .

ومن صوره : أن يطلق إحدى زوجتيه مبهما ، فيحرم الوطء قبل التعيين أو يسلم على أكثر من أربع ، فيحرم قبل الاختيار .

[ ص: 107 ] ومنها : ما ذكره النووي في فتاويه : إذا أخذ المكاس من إنسان دراهم فخلطها بدراهم المكس ، ثم رد عليه قدر درهمه من ذلك المختلط . لا يحل له إلا أن يقسم بينه وبين الذي أخذت منهم .

وفي فتاوى ابن الصلاح : لو اختلط درهم حلال بدراهم حرام . ولم يتميز فطريقه : أن يعزل قدر الحرام بنية القسمة . ويتصرف في الباقي ، والذي عزله إن علم صاحبه سلمه إليه ، وإلا تصدق به عنه ، وذكر مثله النووي وقال : اتفق أصحابنا ، ونصوص الشافعي على مثله فيما إذا غصب زيتا أو حنطة . وخلط بمثله ، قالوا : يدفع إليه من المختلط قدر حقه . ويحل الباقي للغاصب .

قال : فأما ما يقوله العوام : إن اختلاط ماله بغيره يحرمه ، فباطل ، لا أصل له .

ومنها : لو انتشر الخارج فوق العادة ، وجاوز الحشفة أو الصفحة ، فإنه لا يجزي الحجر في غير المجاوز أيضا .

ومنها : لو تلفظ الجنب بالقرآن . بقصد القراءة والذكر معا : فإنه يحرم .

ومنها : لو وقف جزءا من أرض مشاعا مسجدا : صح . ووجب القسمة ، ولا يجوز قبل القسمة للجنب المكث في شيء من أجزائها ، ولا الاعتكاف تغليبا للتحريم في الجانبين ذكره ابن الصلاح في فتاويه .

ومنها : لو رمى الصيد فوقع بأرض ، أو جبل ، ثم سقط منه ، حرم لحصول الموت بالسهم والسقطة .

وخرج عن هذه القاعدة فروع : منها : الاجتهاد في الأواني والثياب ، والثوب المنسوخ من حرير وغيره يحل إن كان الحرير أقل وزنا ، وكذا إن استويا في الأصح ، بخلاف ما إذا زاد وزنا .

ونظيره : التفسير ، يجوز مسه للمحدث إن كان أكثر من القرآن ، وكذا إن استويا في الأصح ، إلا إن كان القرآن أكثر .

ومنها : لو رمى سهما إلى طائر فجرحه ، ووقع على الأرض فمات ، فإنه يحل وإن أمكن إحالة الموت على الوقوع على الأرض ; لأن ذلك لا بد منه ، فعفي عنه .

ومنها : معاملة من أكثر ماله حرام إذا لم يعرف عينه لا يحرم في الأصح ، لكن يكره وكذا الأخذ من عطايا السلطان إذا غلب الحرام في يده كما قال في شرح المهذب إن المشهور فيه الكراهة ، لا التحريم ، خلافا للغزالي .

ومنها : لو اعتلفت الشاة علفا حراما لم يحرم لبنها ولحمها ، ولكن تركه أورع . نقله في شرح المهذب عن الغزالي .

ومنها : أن يكون الحرام مستهلكا أو قريبا منه ; فلو أكل المحرم شيئا قد استهلك فيه [ ص: 108 ] الطيب فلا فدية ، ولو خالط المائع الماء بحيث استهلك فيه جاز استعماله كله في الطهارة " ولو مزج لبن المرأة بماء بحيث استهلك فيه ، لم يحرم ، وكذا لو لم يستهلك ، ولكن لم يشرب الكل ، ولا يجوز القراض على المغشوش . قال الجرجاني : ما لم يكن مستهلكا ومنها : لو اختلطت محرمه بنسوة قرية كبيرة : فله النكاح منهن .

ولو اختلط حمام مملوك بمباح لا ينحصر . جاز الصيد ولو كان المملوك غير محصور أيضا في الأصح .

قال في زوائد الروضة : ومن المهم : ضبط العدد المحصور . فإنه يتكرر في أبواب الفقه وقل من بينه .

قال الغزالي : وإنما يضبط بالتقريب ، فكل عدد لو اجتمع في صعيد واحد ، لعسر على الناظرين عده بمجرد النظر . كالألف ونحوه ، فهو غير محصور . وما سهل ، كالعشرة والعشرين فهو محصور ، وبين الطرفين أوساط متشابهة ، تلحق بأحد الطرفين بالظن ، وما وقع فيه الشك استفتي فيه القلب .

ولو ملك الماء بالاستسقاء ، ثم انصب في نهر ، لم يزل ملكه عنه ولا يمنع الناس من الاستقاء . وهو في حكم الاختلاط بغير المحصور .

قال في الإحياء : ولو اختلط في البلد حرام لا ينحصر . لم يحرم الشراء منه ، بل يجوز الأخذ منه ، إلا أن يقترن به علامة على أنه من الحرام .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث