الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الجملة الأولى في معرفة وجوب الصلاة

المسألة الرابعة

[ حكم تارك الصلاة ]

وأما ما الواجب على من تركها عمدا ، وأمر بها فأبى أن يصليها لا جحودا لفرضها ، فإن قوما قالوا : يقتل ، وقوما قالوا : يعزر ويحبس ، والذين قالوا يقتل منهم من أوجب قتله كفرا ، وهو مذهب أحمد وإسحاق وابن المبارك ، ومنهم من أوجبه حدا ، وهو مالك والشافعي وأبو حنيفة ، وأصحابه ، وأهل الظاهر ممن رأى حبسه وتعزيره حتى يصلي .

[ ص: 79 ] والسبب في هذا الاختلاف اختلاف الآثار ، وذلك أنه ثبت عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان ، أو زنا بعد إحصان ، أو قتل نفس بغير نفس " وروي عنه - عليه الصلاة والسلام - من حديث بريدة أنه قال : " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " وحديث جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " ليس بين العبد وبين الكفر ( أو قال الشرك ) إلا ترك الصلاة " فمن فهم من الكفر ههنا الكفر الحقيقي جعل هذا الحديث كأنه تفسير لقوله - عليه الصلاة والسلام - : " كفر بعد إيمان " ومن فهم ههنا التغليظ والتوبيخ أي أن أفعاله أفعال كافر ، وأنه في صورة كافر كما قال : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن " لم ير قتله كفرا .

وأما من قال يقتل حدا فضعيف ، ولا مستند له إلا قياس شبه ضعيف إن أمكن ، وهو تشبيه الصلاة بالقتل في كون الصلاة رأس المأمورات ، والقتل رأس المنهيات .

وعلى الجملة فاسم الكفر إنما ينطلق بالحقيقة على التكذيب ، وتارك الصلاة معلوم أنه ليس بمكذب إلا أن يتركها معتقدا لتركها هكذا ، فنحن إذن بين أحد أمرين : إما إن أردنا أن نفهم من الحديث الكفر الحقيقي يجب علينا أن نتأول أنه أراد - عليه الصلاة والسلام - من ترك الصلاة معتقدا لتركها فقد كفر ، وإما أن يحمل اسم الكفر على غير موضوعه الأول ، وذلك على أحد معنيين : إما على أن حكمه حكم الكافر ( أعني : في القتل وسائر أحكام الكفار ) وإن لم يكن مكذبا ، وإما على أن أفعاله أفعال كافر على جهة التغليظ والردع له : أي أن فاعل هذا يشبه الكافر في الأفعال ، إذ كان الكافر لا يصلي كما قال - عليه الصلاة والسلام - : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " وحمله على أن حكمه حكم الكافر في أحكامه لا يجب المصير إليه إلا بدليل ; لأنه حكم لم يثبت بعد في الشرع من طريق يجب المصير إليه ، فقد يجب إذا لم يدل عندنا على الكفر الحقيقي الذي هو التكذيب أن يدل على المعنى المجازي لا على معنى يوجب حكما لم يثبت بعد في الشرع بل يثبت ضده ، وهو أنه لا يحل دمه إذ هو خارج عن الثلاثة الذين نص عليهم الشرع فتأمل هذا ، فإنه بين والله أعلم .

( أعني أنه يجب علينا أحد أمرين : إما أن نقدر في الكلام محذوفا إن أردنا حمله على المعنى الشرعي المفهوم من اسم الكفر ، وإما أن نحمله على المعنى المستعار ، وأما حمله على أن حكمه حكم الكافر في جميع أحكامه مع أنه مؤمن فشيء مفارق للأصول ، مع أن الحديث نص في حق من يجب قتله كفرا أو حدا ، ولذلك صار هذا القول مضاهيا لقول من يكفر بالذنوب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث