الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى زين للذين كفروا الحياة الدنيا

أما قوله تعالى : ( والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة ) ففيه سؤالات :

السؤال الأول : لم قال : ( من الذين آمنوا ) ثم قال : ( والذين اتقوا ) ؟ .

الجواب : ليظهر به أن السعادة الكبرى لا تحصل إلا للمؤمن التقي ، وليكون باعثا للمؤمنين على التقوى .

السؤال الثاني : ما المراد بهذه الفوقية ؟

الجواب : فيه وجوه :

أحدها : أن يكون المراد بالفوقية الفوقية بالمكان ; لأن المؤمنين يكونون في عليين من السماء ، والكافرين يكونون في سجين من الأرض .

وثانيها : يحتمل أن يكون المراد بالفوقية في الكرامة والدرجة .

فإن قيل : إنما يقال : فلان فوق فلان في الكرامة ، إذا كان كل واحد منهما في الكرامة ثم يكون أحدهما أزيد حالا من الآخر في تلك الكرامة ، والكافر ليس له شيء من الكرامة فكيف يقال : المؤمن فوقه في الكرامة ؟

قلنا : المراد أنهم كانوا فوقهم في سعادات الدنيا ثم في الآخرة ينقلب الأمر ، فالله تعالى يعطي المؤمن من سعادات الآخرة ما يكون فوق السعادات الدنيوية التي كانت حاصلة للكافرين .

وثالثها : أن يكون المراد : أنهم فوقهم في الحجة يوم القيامة ; وذلك لأن شبهات الكفار ربما كانت تقع في قلوب المؤمنين ، ثم إنهم كانوا يردونها عن قلوبهم بمدد توفيق الله تعالى ، وأما يوم القيامة فلا يبقى شيء من ذلك ، بل تزول الشبهات ، ولا تؤثر وساوس الشيطان ، كما قال تعالى : ( إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون ) إلى قوله : ( فاليوم الذين آمنوا ) [المطففين : 29] الآية .

ورابعها : أن سخرية المؤمنين بالكفار يوم القيامة فوق سخرية الكافرين بالمؤمنين في الدنيا ; لأن سخرية الكافر بالمؤمن باطلة ، وهي مع بطلانها منقضية ، وسخرية المؤمن بالكافر في الآخرة حقة ، ومع حقيتها هي دائمة باقية .

السؤال الثالث : هل تدل الآية على القطع بوعيد الفساد ؟ فإن لقائل أن يقول : إنه تعالى خص الذين اتقوا بهذه الفوقية ، فالذين لا يكونون موصوفين بالتقوى وجب أن لا تحصل لهم هذه الفوقية ، وإن لم تحصل هذه الفوقية كانوا من أهل النار .

الجواب : هذا تمسك بالمفهوم ، فلا يكون أقوى في الدلالة من العمومات التي بينا أنها مخصوصة بدلائل العفو . [ ص: 9 ]

أما قوله تعالى : ( والله يرزق من يشاء بغير حساب ) فيحتمل أن يكون المراد منه ما يعطي الله المتقين في الآخرة من الثواب ، ويحتمل أن يكون المراد ما يعطي في الدنيا أصناف عبيده من المؤمنين والكافرين ، فإذا حملناه على رزق الآخرة احتمل وجوها :

أحدها : أنه يرزق من يشاء في الآخرة ، وهم المؤمنون بغير حساب ، أي رزقا واسعا رغدا لا فناء له ، ولا انقطاع ، وهو كقوله : ( فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب ) [غافر : 40] فإن كل ما دخل تحت الحساب والحصر والتقدير فهو متناه ، فما لا يكون متناهيا كان لا محالة خارجا عن الحساب .

وثانيها : أن المنافع الواصلة إليهم في الجنة بعضها ثواب وبعضها تفضل كما قال : ( فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ) [النساء : 173] فالفضل منه بلا حساب .

وثالثها : أنه لا يخاف نفادها عنده ، فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه ; لأن المعطي إنما يحاسب ليعلم لمقدار ما يعطي وما يبقى ، فلا يتجاوز في عطاياه إلى ما يجحف به ، والله لا يحتاج إلى الحساب ; لأنه عالم غني لا نهاية لمقدوراته .

ورابعها : أنه أراد بهذا رزق أهل الجنة ; وذلك لأن الحساب إنما يحتاج إليه إذا كان بحيث إذا أعطى شيئا انتقص قدر الواجب عما كان ، والثواب ليس كذلك فإنه بعد انقضاء الأدوار والأعصار يكون الثواب المستحق بحكم الوعد والفضل باقيا ، فعلى هذا لا يتطرق الحساب ألبتة إلى الثواب .

وخامسها : أراد أن الذي يعطى لا نسبة له إلى ما في الخزانة ; لأن الذي يعطى في كل وقت يكون متناهيا لا محالة ، والذي في خزانة قدرة الله غير متناه ، والمتناهي لا نسبة له إلى غير المتناهي ، فهذا هو المراد من قوله : ( بغير حساب ) ، وهو إشارة إلى أنه لا نهاية لمقدورات الله تعالى .

وسادسها : ( بغير حساب ) أي بغير استحقاق ، يقال : لفلان على فلان حساب ، إذا كان له عليه حق ، وهذا يدل على أنه لا يستحق عليه أحد شيئا ، وليس لأحد معه حساب ، بل كل ما أعطاه فقد أعطاه بمجرد الفضل والإحسان ، لا بسبب الاستحقاق .

وسابعها : ( بغير حساب ) أي يزيد على قدر الكفاية ، يقال : فلان ينفق بالحساب إذا كان لا يزيد على قدر الكفاية ، فأما إذا زاد عليه فإنه يقال : ينفق بغير حساب .

وثامنها : ( بغير حساب ) أي يعطي كثيرا ; لأن ما دخله الحساب فهو قليل .

واعلم أن هذه الوجوه كلها محتملة وعطايا الله لها منتظمة فيجوز أن يكون المراد كلها ، والله أعلم .

أما إذا حملنا الآية على ما يعطي في الدنيا أصناف عباده من المؤمنين والكافرين ففيه وجوه :

أحدها : وهو أليق بنظم الآية أن الكفار إنما كانوا يسخرون من فقراء المسلمين ; لأنهم كانوا يستدلون بحصول السعادات الدنيوية على أنهم على الحق ويحرمون فقراء المسلمين من تلك السعادات على أنهم على الباطل ، فالله تعالى أبطل هذه المقدمة بقوله : ( والله يرزق من يشاء بغير حساب ) يعني أنه يعطي في الدنيا من يشاء من غير أن يكون ذلك منبئا عن كون المعطى محقا أو مبطلا أو محسنا أو مسيئا ، وذلك متعلق بمحض المشيئة ، فقد وسع الدنيا على قارون ، وضيقها على أيوب عليه السلام ، فلا يجوز لكم أيها الكفار أن تستدلوا بحصول متاع الدنيا لكم وعدم حصولها لفقراء المسلمين على كونكم محقين وكونهم مبطلين ، بل الكافر قد يوسع عليه زيادة في الاستدراج ، والمؤمن قد يضيق عليه زيادة في الابتلاء والامتحان ، ولهذا قال تعالى : ( ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ) [الزخرف : 33] .

وثانيها : أن المعنى : أن الله يرزق من يشاء في الدنيا من كافر ومؤمن بغير حساب يكون لأحد عليه ، [ ص: 10 ] ولا مطالبة ، ولا تبعة ، ولا سؤال سائل ، والمقصود منه أن لا يقول الكافر : لو كان المؤمن على الحق فلم لم يوسع عليه في الدنيا ؟ وأن لا يقول المؤمن : إن كان الكافر مبطلا فلم يوسع عليه في الدنيا ؟ بل الاعتراض ساقط ، والأمر أمره ، والحكم حكمه ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) [الأنبياء : 23]

وثالثها : قوله : ( بغير حساب ) أي من حيث لا يحتسب ، كما يقول الرجل إذا جاءه ما لم يكن في تقديره : لم يكن هذا في حسابي ، فعلى هذا الوجه يكون معنى الآية : أن هؤلاء الكفار وإن كانوا يسخرون من الذين آمنوا لفقرهم ، فالله تعالى قد يرزق من يشاء من حيث لا يحتسب ، ولعله يفعل ذلك بالمؤمنين ، قال القفال رحمه الله : وقد فعل ذلك بهم فأغناهم بما أفاء عليهم من أموال صناديد قريش ورؤساء اليهود ، وبما فتح على رسوله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته على أيدي أصحابه حتى ملكوا كنوز كسرى وقيصر .

فإن قيل : قد قال تعالى في صفة المتقين وما يصل إليهم ( عطاء حسابا ) [النبأ : 36] أليس ذلك كالمناقض لما في هذه الآية .

قلنا : أما من حمل قوله : ( بغير حساب ) على التفضل ، وحمل قوله : ( عطاء حسابا ) على المستحق بحسب الوعد على ما هو قولنا ، أو بحسب الاستحقاق على ما هو قول المعتزلة ، فالسؤال ساقط ، وأما من حمل قوله : ( بغير حساب ) على سائر الوجوه ، فله أن يقول : إن ذلك العطاء إذا كان يتشابه في الأوقات ويتماثل ، صح من هذا الوجه أن يوصف بكونه عطاء حسابا ، ولا ينقضه ما ذكرناه في معنى قوله : ( بغير حساب ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث