الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم

المسألة الخامسة : في الآية إشكال ، وهو أنه كيف يليق بالرسول القاطع بصحة وعد الله ووعيده أن يقول على سبيل الاستبعاد ( متى نصر الله ) ؟

والجواب عنه من وجوه :

أحدها : أن كونه رسولا لا يمنع من أن يتأذى من كيد الأعداء ، قال تعالى : ( ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ) [الحجر : 97] وقال تعالى : ( لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ) [الشعراء : 3] وقال تعالى : ( حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي ) [يوسف : 110] وعلى هذا فإذا ضاق قلبه وقلت حيلته ، وكان قد سمع من الله تعالى أنه ينصره إلا أنه ما عين له الوقت في ذلك ، قال عند ضيق قلبه : ( متى نصر الله ) حتى إنه إن علم قرب الوقت زال همه وغمه وطاب قلبه ، والذي يدل على صحة ذلك أنه قال في الجواب : ( ألا إن نصر الله قريب ) فلما كان الجواب بذكر القرب دل على أن السؤال كان واقعا عن القرب ، ولو كان السؤال وقع عن أنه هل يوجد النصر أم لا ؟ لما كان هذا الجواب مطابقا لذلك السؤال ، وهذا هو الجواب المعتمد .

والجواب الثاني : أنه تعالى أخبر عن الرسول والذين آمنوا أنهم قالوا قولا ، ثم ذكر كلامين :

أحدهما : ( متى نصر الله ) .

والثاني : ( ألا إن نصر الله قريب ) فوجب إسناد كل واحد من هذين الكلامين إلى واحد من ذينك المذكورين . فالذين آمنوا قالوا : ( متى نصر الله ) والرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( ألا إن نصر الله قريب ) .

قالوا : ولهذا نظير من القرآن والشعر :

أما القرآن فقوله : ( ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ) [القصص : 73] والمعنى : لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار ، وأما من الشعر فقول امرئ القيس :

كأن قلوب الطير رطبا ويابسا لدى وكرها العناب والحشف البالي



فالتشبيه بالعناب للرطب وبالحشف البالي لليابس ، فهذا جواب ذكره قوم وهو متكلف جدا .

المسألة السادسة : ( ألا إن نصر الله قريب ) يحتمل أن يكون جوابا من الله تعالى لهم ، إذ قالوا : ( متى ) [ ص: 20 ] ( نصر الله ) فيكون كلامهم قد انتهى عند قوله : ( متى نصر الله ) ثم قال الله عند ذلك : ( ألا إن نصر الله قريب ) ويحتمل أن يكون ذلك قولا لقوم منهم ، كأنهم لما قالوا : ( متى نصر الله ) رجعوا إلى أنفسهم فعلموا أن الله لا يعلي عدوهم عليهم ، فقالوا : ( ألا إن نصر الله قريب ) فنحن قد صبرنا يا ربنا ثقة بوعدك .

فإن قيل : قوله : ( ألا إن نصر الله قريب ) يوجب في حق كل من لحقه شدة أن يعلم أن سيظفر بزوالها ، وذلك غير ثابت .

قلنا : لا يمتنع أن يكون هذا من خواص الأنبياء عليهم السلام ، ويمكن أن يكون ذلك عاما في حق الكل ; إذ كل من كان في بلاء فإنه لا بد له من أحد أمرين : إما أن يتخلص عنه ، وإما أن يموت ، وإذا مات فقد وصل إلى من لا يهمل أمره ولا يضيع حقه ، وذلك من أعظم النصر ، وإنما جعله قريبا لأن الموت قريب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث