الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى كتب عليكم القتال وهو كره لكم

المسألة الثانية : قوله : ( وهو كره لكم ) فيه إشكال ، وهو أن الظاهر من قوله : ( كتب عليكم ) أن هذا الخطاب مع المؤمنين ، والعقل يدل عليه أيضا; لأن الكافر لا يؤمر بقتال الكافر ، وإذا كان كذلك فكيف قال : ( وهو كره لكم ) فإن هذا يشعر بكون المؤمن كارها لحكم الله وتكليفه ، وذلك غير جائز ; لأن المؤمن لا يكون ساخطا لأوامر الله تعالى وتكاليفه ، بل يرضى بذلك ويحبه ويتمسك به ويعلم أنه صلاحه ، وفي تركه فساده .

والجواب من وجهين :

الأول : أن المراد من الكره ، كونه شاقا على النفس ، والمكلف وإن علم أن ما أمره الله به فهو صلاحه ، لكن لا يخرج بذلك عن كونه ثقيلا شاقا على النفس ; لأن التكليف عبارة عن إلزام ما في فعله كلفة ومشقة ، ومن المعلوم أن أعظم ما يميل إليه الطبع الحياة ، فلذلك أشق الأشياء على النفس القتال .

الثاني : أن يكون المراد كراهتهم للقتال قبل أن يفرض لما فيه من الخوف ولكثرة الأعداء ، فبين الله تعالى أن الذي تكرهونه من القتال خير لكم من تركه ; لئلا تكرهونه بعد أن فرض عليكم .

المسألة الثالثة : الكره بضم الكاف هو الكراهة ; بدليل قوله : ( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ) ثم فيه وجهان :

أحدهما : أن يكون المعنى وضع المصدر موضع الوصف مبالغة كقول الخنساء :


فإنما هي إقبال وإدبار

كأنه في نفسه كراهة لفرط كراهتهم له .

والثاني : أن يكون فعلا بمعنى مفعول ، كالخبر بمعنى المخبور أي وهو مكروه لكم . وقرأ السلمي بالفتح وهما لغتان كالضعف والضعف ، ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه على سبيل المجاز ، كأنهم أكرهوا عليه ؛ لشدة كراهتهم له ، ومشقته عليهم ، ومنه قوله تعالى : ( حملته أمه كرها ووضعته كرها ) [الأحقاف : 15] والله أعلم . وقال بعضهم : الكره ، بالضم ما كرهته مما لم تكره عليه ، وإذا كان بالإكراه فبالفتح .

أما قوله : ( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ) ففيه مسائل :

المسألة الأولى : ( عسى ) فعل درج مضارعه وبقي ماضيه فيقال منه : عسيتما وعسيتم قال تعالى : ( فهل عسيتم ) [محمد : 22] ويرتفع الاسم بعده كما يرتفع بعد الفعل فتقول : عسى زيد ، كما تقول : قام زيد ، ومعناه : قرب ، قال تعالى : ( قل عسى أن يكون ردف لكم ) [النمل : 72] أي قرب ، فقولك : عسى زيد أن يقوم ، تقديره عسى قيام زيد أي قرب قيام زيد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث