الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إزالة النجاسة

36 - ( 11 ) - حديث : { الهرة ليست بنجسة ، إنها من الطوافين عليكم } مالك والشافعي وأحمد والأربعة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي ، من حديث أبي قتادة قال مالك : عن إسحاق بن أبي طلحة ، عن حميدة بنت عبيدة ، عن خالتها كبشة بنت كعب بن مالك ، [ ص: 68 ] وكانت تحت ابن أبي قتادة : أنها أخبرتها : أن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءا ، فجاءت هرة لتشرب منه ، فأصغى لها الإناء حتى شربت ، قالت كبشة : فرآني أنظر إليه ، فقال : أتعجبين يا ابنة أخي ؟ قالت : قلت : نعم ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { ليست بنجس ، إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات }ورواه الباقون من حديث مالك ، ورواه الشافعي عن الثقة ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، ورواه أبو يعلى من طريق حسين المعلم ، عن إسحاق بن أبي طلحة ، عن أم يحيى امرأته ، عن خالتها ابنة كعب بن مالك فذكره ، تابعه همام ، عن إسحاق ، أخرجه البيهقي قال ابن أبي حاتم : سألت أبي ، وأبا زرعة عنه ؟ فقالا : هي حميدة تكنى أم يحيى ، وصححه البخاري ، والترمذي ، والعقيلي ، والدارقطني ، وساق له في الأفراد طريقا غير طريق إسحاق ، فروي من طريق الدراوردي ، عن أسيد بن أبي أسيد ، عن أبيه : { أن أبا قتادة كان يصغي الإناء للهرة فتشرب منه ، ثم يتوضأ بفضلها ، فقيل له : أتتوضأ بفضلها ؟ فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم }وأعله ابن منده بأن حميدة وخالتها كبشة محلهما محل الجهالة ولا يعرف لهما إلا هذا الحديث انتهى . فأما قوله : إنهما لا يعرف لهما إلا هذا الحديث ، فمتعقب بأن لحميدة حديثا آخر في تشميت العاطس ، رواه أبو داود ، ولها ثالث رواه أبو نعيم في المعرفة ، وأما حالهما فحميدة روى عنها مع إسحاق ابنه يحيى ، وهو ثقة عند ابن معين ، وأما كبشة فقيل : إنها صحابية ، فإن ثبت فلا يضر الجهل بحالها ، والله أعلم . وقال ابن دقيق العيد : لعل من صححه اعتمد على تخريج مالك ، وأن كل من خرج له فهو ثقة عند ابن معين ، وإما كما صح عنه فإن سلكت هذه الطريقة في [ ص: 69 ] تصحيحه ، - أعني تخريج مالك - ، وإلا فالقول ما قال ابن منده .

( فائدة ) اختلف في حميدة هل هي بضم الحاء أو فتحها .

( تنبيه ) جعل الرافعي تبعا للمتولي : الذي أصغى الإناء للهرة ، هو النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قال لما تعجبوا من إصغاء الرسول للهرة ، قال : " إنها ليست بنجسة " انتهى . والمعروف في الروايات ما تقدم ، نعم روى البيهقي من حديث عبد الله بن أبي قتادة ، قال : كان أبو قتادة يصغي الإناء للهرة فتشرب ، ثم يتوضأ به ، فقيل له في ذلك ، فقال : ما صنعت إلا ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع . وروى ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ من طريق محمد بن إسحاق ، عن صالح ، ( عن أبي مجاهد ) ، عن جابر ، قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع الإناء للسنور ، فيلغ فيه ، ثم يتوضأ من فضله } ، ورواه الدارقطني من طريق أبي يوسف القاضي ، عن عبد ربه بن سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تمر به الهرة فيصغي لها الإناء فتشرب ، ثم يتوضأ بفضلها }. وعبد ربه هو عبد الله ، متفق على ضعفه ، واختلف عليه فيه ، فقيل عنه هكذا ، وقيل عنه ، عن أبيه ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، ورواه الدارقطني من وجه آخر ، عن عروة ، عن عائشة ، وفيه الواقدي ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه آخر .

رواه أبو داود من طريق الدراوردي ، عن داود بن صالح بن دينار التمار ، عن أمه أن مولاتها أرسلتها بهريسة إلى عائشة قالت : فوجدتها [ ص: 70 ] تصلي ، فأشارت إلي أن ضعيها ، فجاءت هرة فأكلت منها فلما انصرفت أكلت من حيث أكلت الهرة ، وقالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم }ورواه الدارقطني وقال : تفرد برفعه داود بن صالح ، وكذا قال الطبراني ، والبزاز ، وقال : لا يثبت . ورواه الدارقطني والعقيلي من حديث سليمان بن مسافع ، عن منصور بن صفية ، عن أمه ، عن عائشة ، ومن طريق أبي حنيفة ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن الشعبي ، عن عائشة ، وفيه انقطاع .

ورواه الدارقطني وابن ماجه من طريق أخرى ، عن عمرة ، عن عائشة ، قالت : { كنت أتوضأ أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد قد أصابت منه الهرة قبل ذلك }. وفيها حارثة بن محمد ، وهو ضعيف . ورواه الخطيب من وجه آخر ، وفيه سلم بن المغيرة ، وهو ضعيف ، قال الدارقطني : تفرد به عن مصعب بن ماهان ، عن الثوري ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، والمحفوظ عن الثوري ، عن حارثة كما تقدم . ( فائدة ) قال ابن عبد البر : قال بعضهم : قوله : ليست بنجسة . من قول أبي قتادة ، قال : وهو غلط ،

وروى الطبراني في الصغير من طريق جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جده علي بن الحسين ، عن أنس قال : { خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أرض بالمدينة يقال لها : بطحان ، فقال : يا أنس ، اسكب لي وضوءا فسكبت له ، فلما قضى حاجته أقبل إلى الإناء ، وقد أتى هر فولغ في الإناء ، فوقف له النبي صلى الله عليه وسلم حتى شرب ثم توضأ ، فذكرت ذلك له ، فقال : يا [ ص: 71 ] أنس ، إن الهر من متاع البيت لن يقذر شيئا ولن ينجسه }قال تفرد به عمر بن حفص .

قوله : إن الشرع حكم بنجاسة الكلاب لما نهى عن مخالطتها مبالغة في المنع أما حكمه بنجاستها فتقدم . وأما النهي عن مخالطتها . فمتفق عليه من حديث ابن عمر بلفظ { من اقتنى كلبا ; إلا كلب الصيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان }وقد صح الأمر بقتلها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث