الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 122 - 123 ] باب سنن الوضوء

70 - ( 1 ) - حديث : { لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه } أحمد وأبو داود والترمذي في العلل ، وابن ماجه ، والدارقطني وابن السكن والحاكم والبيهقي من طريق محمد بن موسى المخزومي ، عن يعقوب بن سلمة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة بلفظ { لا صلاة لمن لا وضوء له ، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه }.

ورواه الحاكم من هذا الوجه ، فقال : يعقوب بن أبي سلمة ، وادعى أنه الماجشون وصححه لذلك ، والصواب أنه الليثي ، قال البخاري : لا يعرف له سماع من أبيه ، ولا لأبيه من أبي هريرة ، وأبوه ذكره ابن حبان في الثقات ، وقال : ربما أخطأ وهذه عبارة عن ضعفه فإنه قليل الحديث جدا ولم يرو عنه سوى ولده فإذا كان يخطئ مع قلة ما روى ، فكيف يوصف بكونه ثقة ، . قال ابن الصلاح : انقلب إسناده على الحاكم فلا يحتج لثبوته بتخريجه له . وتبع النووي ، وقال ابن دقيق العيد : لو سلم للحاكم أنه يعقوب بن أبي سلمة الماجشون ، واسم أبي سلمة : دينار ، [ ص: 124 ] فيحتاج إلى معرفة حال أبي سلمة ، وليس له ذكر في شيء من كتب الرجال ، فلا يكون أيضا صحيحا .

وله طريق أخرى عند الدارقطني والبيهقي من طريق محمود بن محمد الظفري ، عن أيوب بن النجار ، عن يحيى ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة بلفظ : { ما توضأ من لم يذكر اسم الله عليه ، وما صلى من لم يتوضأ } ومحمود ليس بالقوي ، وأيوب قد سمعه يحيى بن معين يقول : لم أسمع من يحيى بن أبي كثير إلا حديثا واحدا : { التقى آدم وموسى }وقد ورد الأمر بذلك من حديث أبي هريرة ، ففي الأوسط للطبراني من طريق علي بن ثابت ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { يا أبا هريرة إذا توضأت فقل : بسم الله والحمد لله ، فإن حفظتك لا تزال تكتب لك الحسنات حتى تحدث من ذلك الوضوء } ، قال : تفرد به عمرو بن أبي سلمة ، عن إبراهيم بن محمد ، عنه .

وفيه أيضا من طريق الأعرج ، عن أبي هريرة رفعه : { إذا استيقظ أحدكم من نومه ، فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ويسمي قبل أن يدخلها }تفرد بهذه الزيادة عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة ، وهو متروك ، عن هشام بن عروة ، عن أبي الزناد ، عنه . وفي الباب : عن أبي سعيد ، وسعيد بن زيد ، وعائشة ، وسهل بن سعد ، وأبي سبرة ، وأم سبرة ، وعلي ، وأنس . أما حديث أبي سعيد : [ ص: 125 ] فرواه أحمد والدارمي والترمذي في العلل وابن ماجه ، وابن عدي وابن السكن والبزار ، والدارقطني والحاكم والبيهقي ، من طريق كثير بن زيد ، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد ، بلفظ حديث الباب ، وزعم ابن عدي أن زيد بن الحباب تفرد به عن كثير ، وليس كذلك ، فقد رواه الدارقطني من حديث أبي عامر العقدي ، وابن ماجه من حديث أبي أحمد الزبيري ، وأما حال كثير بن زيد ، فقال ابن معين : ليس بالقوي . وقال أبو زرعة : صدوق فيه لين . وقال أبو حاتم : صالح الحديث ليس بالقوي يكتب حديثه .

وربيح ; قال أبو حاتم : شيخ ، وقال الترمذي عن البخاري : منكر الحديث ، وقال أحمد : ليس بالمعروف ، وقال المروزي : لم يصححه أحمد ، وقال : ليس فيه شيء يثبت . وقال البزار : روى عنه فليح بن سليمان ، وكثير بن زيد ، وكثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، وكل ما روي في هذا الباب فليس بقوي ، ثم ذكر أنه روي عن كثير بن زيد ، عن الوليد بن رباح ، عن أبي هريرة ، وقال العقيلي : الأسانيد في هذا الباب فيها لين . وقد قال أحمد بن حنبل : إنه أحسن شيء في هذا الباب . وقال السعدي : سئل أحمد عن التسمية ؟ ، فقال : لا أعلم فيه حديثا صحيحا ، أقوى شيء فيه حديث كثير بن زيد ، عن ربيح ، وقال إسحاق بن راهويه : هو أصح ما في الباب . [ ص: 126 ]

وأما حديث سعيد بن زيد : فرواه الترمذي ، والبزار ، وأحمد وابن ماجه ، والدارقطني ، والعقيلي ، والحاكم ، من طريق عبد الرحمن بن حرملة ، عن أبي ثفال ، عن رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب ، عن جدته ، عن أبيها ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : فذكره لفظ الترمذي قال : وقال محمد : أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح ، ولابن ماجه بزيادة { لا صلاة لمن لا وضوء له }وصرح العقيلي ، والحاكم بسماع بعضهم من بعض ، وزاد { ولا يؤمن بالله من لا يؤمن بي ، ولا يؤمن بي من لا يحب الأنصار }وزاد الحاكم في روايته : حدثتني جدتي أسماء بنت سعيد بن زيد بن عمرو ، أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأسقط منه ذكر أبيها ، وقال الدارقطني في العلل : اختلف فيه ، فقال وهيب ، وبشر بن المفضل ، وغير واحد هكذا ، وقال حفص بن ميسرة ، وأبو معشر ، وإسحاق بن [ ص: 127 ] حازم : عن ابن حرملة ، عن أبي ثفال ، عن رباح ، عن جدته : أنها سمعت . ولم يذكروا أباها .

ورواه الدراوردي ، عن أبي ثفال ، عن رباح ، عن ابن ثوبان مرسلا ، ورواه صدقة مولى آل الزبير ، عن أبي ثفال ، عن أبي بكر بن حويطب مرسلا ، وأبو بكر بن حويطب هو رباح المذكور ، قاله الترمذي . قال الدارقطني : والصحيح قول وهيب وبشر بن المفضل ومن تابعهما . وفي المختارة للضياء من مسند الهيثم بن كليب من طريق وهيب ، عن عبد الرحمن بن حرملة ، سمع أبا غالب سمعت رباح بن عبد الرحمن ، حدثتني جدتي : أنها سمعت أباها . كذا قال .

قال الضياء : المعروف أبو ثفال ، بدل أبي غالب ، وهو كما قال . وصحح أبو حاتم وأبو زرعة في العلل روايتهما أيضا ، بالنسبة إلى من خالفهما ، لكن قالا : إن الحديث ليس بصحيح ; أبو ثفال ورباح مجهولان ، وزاد ابن القطان : أن جدة رباح أيضا لا يعرف اسمها ، ولا حالها . كذا قال . فأما هي فقد عرف اسمها من رواية الحاكم ، ورواه البيهقي أيضا مصرحا باسمها . وأما حالها فقد ذكرت في الصحابة ، وإن لم يثبت لها صحبة فمثلها لا يسأل عن حالها . وأما أبو ثفال فروى عنه جماعة ، وقال البخاري : في حديثه نظر . وهذه عادته فيمن يضعفه ، وذكره ابن حبان في الثقات ، إلا أنه قال : لست بالمعتمد على ما تفرد به . فكأنه لم يوثقه . وأما رباح فمجهول ، قال ابن القطان : فالحديث ضعيف جدا .

وقال البزار : أبو ثفال مشهور ، ورباح وجدته لا نعلمهما رويا إلا هذا الحديث ، ولا حدث عن رباح إلا أبو ثفال ، فالخبر من جهة النقل لا يثبت . وأما حديث عائشة فرواه البزار وأبو بكر بن أبي شيبة في مسنديهما ، وابن عدي . وفي إسناده حارثة بن محمد ، وهو ضعيف ، وضعف به . قال ابن عدي : بلغني عن أحمد أنه نظر في جامع إسحاق بن راهويه ، فإذا أول حديث قد أخرجه هذا الحديث . فأنكره جدا ، وقال : أول حديث يكون في الجامع عن حارثة ، وروى الحربي عن أحمد أنه قال : هذا يزعم أنه اختار أصح شيء في الباب وهذا أضعف حديث فيه . [ ص: 128 ] وأما حديث سهل بن سعد فرواه ابن ماجه ، والطبراني ، وهو من طريق عبد المهيمن بن عباس بن سهل ، عن أبيه ، عن جده ، وهو ضعيف ، لكن تابعه أخوه أبي بن عباس ، وهو مختلف فيه . وأما حديث أبي سبرة وأم سبرة ، فروى الدولابي في الكنى ، والبغوي في معرفة الصحابة ، والطبراني في الأوسط ، من حديث عيسى بن سبرة بن أبي سبرة ، عن أبيه عن جده ، وأخرجه أبو موسى في المعرفة ، فقال : عن أم سبرة ، وهو ضعيف .

وأما حديث علي ، فرواه ابن عدي في ترجمة عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي ، وقال : إسناده ليس بمستقيم . وأما حديث أنس ، فرواه عبد الملك بن حبيب الأندلسي ، عن أسد بن موسى ، عن حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس بلفظ { لا إيمان لمن لم يؤمن بي ، ولا صلاة إلا بوضوء ، ولا وضوء لمن لم يسم الله } وعبد الملك شديد الضعف . والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة ، تدل على أن له أصلا ، وقال أبو بكر بن أبي شيبة : ثبت لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله .

وقال البزار : لكنه مؤول ، ومعناه أنه لا فضل لوضوء من لم يذكر اسم الله ، لا على أنه لا يجوز وضوء من لم يسم . واحتج البيهقي على عدم وجوب التسمية ، بحديث رفاعة بن رافع { لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمر الله فيغسل وجهه }واستدل النسائي ، وابن خزيمة ، والبيهقي في استحباب التسمية بحديث معمر ، عن ثابت وقتادة ، عن أنس قال : { طلب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وضوءا فلم يجدوا ، فقال : هل مع أحد منكم ماء ؟ فوضع يده في الإناء ، فقال : توضئوا [ ص: 129 ] بسم الله }وأصله في الصحيحين بدون هذه اللفظة ، ولا دلالة فيها صريحة لمقصودهم .

وقد أخرج أحمد مثله من حديث نبيح العنزي ، عن جابر ، وقال النووي : يمكن أن يحتج في المسألة بحديث أبي هريرة { كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أجذم }. قوله : ويروى في بعض الروايات : { لا وضوء كاملا لمن لم يذكر اسم الله عليه }.

لم أره هكذا ، لكن معناه في الحديث الذي بعده .

71 - ( 2 ) - حديث : روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : { من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهورا لجميع بدنه ، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورا لأعضاء وضوئه }. احتج به الرافعي على نفي وجوب التسمية ، وسبقه أبو عبيد في كتاب الطهور . روى الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عمر ، وفيه أبو بكر الداهري ، وهو متروك ، ورواه الدارقطني من حديث أبي هريرة بلفظ : { لم يطهر إلا موضع الوضوء منه }وفيه مرداس بن محمد ، [ ص: 130 ] ومحمد بن أبان . ورواه الدارقطني والبيهقي من حديث ابن مسعود بزيادة { فإذا فرغ من طهوره فليشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، فإذا قال ذلك فتحت أبواب السماء }وفي رواية البيهقي { أبواب الرحمة }وفي إسناده يحيى بن هاشم السمار ، وهو متروك .

ورواه عبد الملك بن حبيب ، عن إسماعيل بن عياش ، عن أبان ، وهو مرسل ضعيف جدا . وقال أبو عبيد في كتاب الطهور : سمعت من خلف بن خليفة حديثا يحدثه بإسناده إلى أبي بكر الصديق ، فلا أجدني أحفظه . وهذا مع إعضاله موقوف .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث